كتاب الأشربة
الاعتبار بآياته، فيبعد أن يمتن الله على عباده بما حرم عليهم وأمرهم باجتنابه في غير ما آية من كتابه. وأيضا فإن سورة النحل مكية وتحريم الخمر إنما أنزل بالمدينة في سورة المائدة. فصل وأجمعت الأمة على أن الخمر محرمة في كتاب الله تعالى، إلا أنهم اختلفوا إن كانت محرمة في الكتاب بنص أو بدليل. والصحيح أنها محرمة فيه بالنص؛ لأن المحرم هو المنهي عنه الذي توعد الله عباده على استباحته. وقد نهى الله عن الخمر في كتابه وأمر باجتنابها وتوعد على استباحتها فقال: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} [المائدة: 90] وقال: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91] وهذا بلاغ في الوعيد. وهاتان الآيتان ناسختان لآية البقرة قوله: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} [البقرة: 219] ولآية النساء قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} [النساء: 43] ؛ لأن آية البقرة إنما تقتضي الذم دون التحريم، فكانوا يشربونها لما فيها من المنافع. وأما آية النساء فقيل: إنها تقتضي الإباحة؛ لأنهم أمروا فيها بتأخير الصلاة حتى يذهب السكر قبل أن تحرم الخمر، فكان منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أقيمت الصلاة ينادي لا يقربن الصلاة سكران، ثم نسخ ذلك فحرمت الخمرة وأمروا بالصلاة على كل حال. وقيل: إنها تقتضي تحريم السكر في وقت الصلاة؛ لأن ذلك مفهوم النهي عن أن يقرب الصلاة في حال السكر؛ لأنهم كانوا يشربون الخمر بالليل حين نزلت هذه الآية حتى نزل تحريم الخمر في سورة المائدة.