البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

الفقه الشافعي

المهذب في فقه الإمام الشافعي

أبو إسحاق الشيرازي (ت ٤٧٦هـ)

دار الفكر · بيروت · نص مشروع OpenITI

كتاب الوقف › فصل ولا يجوز إلا على سبيل لا ينقطع

عنه على مقتضاه ويصير كأنه وقف مؤبد ويقدم المسمى على غيره فإذا انقرض المسمى صرف إلى أقرب الناس إلى الواقف لانه من أعظم جهات الثواب والدليل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا صدقة وذو رحم محتاج وروى سليمان بن عامر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال صدقتك على المساكين صدقة وعلى ذى الرحم اثنتان صدقة وصلة وهل يختص به فقراؤهم أو يشترك فيه الفقراء والأغنياء فيه قولان أحدهما يختص به الفقراء لان مصرف الصدقات إلى الفقراء والثاني يشترك فيه الفقراء والأغنياء لان في الوقف الغنى والفقير سواء وإن وقف وقفا منقطع الابتداء متصل الانتهاء بأن وقف على عبد ثم على الفقراء أو على رجل غير معين ثم على الفقراء ففيه طريقان من أصحابنا من قال يبطل قولا واحدا لان الأول باطل والثانى فرع لاصل باطل فكان باطلا ومنهم من قال فيه قولان أحدهما أنه باطل لما ذكرناه والثاني أنه يصح لانه لما بطل الأول صار كأن لم يكن وصار الثانى أصلا فإذا قلنا إنه يصح فإن كان الأول لا يمكن اعتبار انقراضه كرجل غير معين صرف إلى من بعده وهم الفقراء لانه لا يمكن اعتبار انقراضه فسقط حكمه وإن كان يمكن اعتبار انقراضه كالعبد ففيه أوجه أحدهما ينقل في الحال إلى من بعده لان الذي وقف عليه في الابتداء لم يصح الوقف عليه فصار كالمعدوم والثاني وهو المنصوص أنه للواقف ثم لوارثه إلى أن ينقرض الموقوف عليه ثم يجعل لمن بعده لانه لم يوجد شرط الانتقال إلى الفقراء فبقي على ملكه والثالث أنه لا يكون لاقرباء الواقف إلى أن ينقرض الموقوف عليه ثم يجعل للفقراء لانه لا يمكن تركه على الواقف لانه أزال الملك فيه ولا يمكن أن يجعل للفقراء لانه لم يوجد شرط الانتقال إليهم فكان أقرباء الواقف أحق وهل يختص به فقراؤهم أو يشترك فيه الفقراء والأغنياء على ما ذكرناه من القولين ففيه قولان أحدهما أن الوقف باطل لانه تمليك فلا يصح مطلقا كما لو قال بعت دارى ووهبت مالى والثاني يصح وهو الصحيح لانه إزالة ملك على وجه القربة فصح مطلقا كالأضحية فعلى هذا يكون حكمه حكم الوقف المتصل الابتداء المنقطع الانتهاء وقد بيناه فإن بنى مسجدا وصلى فيه أو أذن للناس بالصلاة فيه لم يصر وقفا لانه إزالة ملك على وجه القربة فلم يصح من غير قول مع القدرة كالعتق وألفاظه ستة وقفت وحبست وسبلت وتصدقت وأبدت وحرمت فأما الوقف والحبس والتسبيل فهى صريحة فيه لان الوقف موضوع له ومعروف به والتحبيس والتسبيل ثبت لهما عرف الشرع فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه حبس الأصل وسبل الثمرة وأما التصدق فهو كناية فيه لانه مشترك بين الوقف وصدقة التطوع فلم يصح الوقف بمجرده فإن اقترنت به نية الواقف أو لفظ من الألفاظ الخمسة بأن يقول تصدقت به صدقة موقوفة أو محبوسة أو مسبلة أو مؤبدة أو محرمة أو حكم الوقف بأن يقول صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث صار وقفا لانه مع هذه القرائن لا يحتمل غير الوقف وأما قوله حرمت وأبدت ففيه وجهان أحدهما أنه كناية فلا يصح به الوقف إلا بإحدى القرائن التي ذكرنا لانه لم يثبت له عرف الشرع ولا عرف اللغة فلم يصح الوقف بمجرده كالتصدق والثاني أنه صريح لان التأبيد والتحريم في غير الإبضاع لا يكون إلا بالوقف فحمل عليه لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها لا تباع ولا توهب ولا تورث ويزول ملكه عن العين ومن أصحابنا من خرج فيه قولا آخر أنه لا يزول ملكه عن العين لان الوقف حبس العين وتسبيل المنفعة وذلك لا يوجب زوال الملك والصحيح هو الأول لانه سبب يزيل ملكه عن التصرف في العين والمنفعة فأزال الملك كالعتق واختلف أصحابنا فيمن ينتقل الملك إليه فمنهم من قال ينتقل إلى الله تعالى قولا واحدا لانه حبس عين وتسبيل منفعة على وجه القربة فأزال الملك إلى الله تعالى كالعتق ومنهم من قال فيه قولان أحدهما أنه ينتقل إلى الله تعالى وهو الصحيح لما ذكرنا والثاني أنه ينتقل إلى الموقوف عليه لان ما أزال

المهذب في فقه الإمام الشافعي · الجزء ١ · ص ٤٤٢

الإحالة: (الشيرازي، ت ٤٧٦هـ: ١/٤٤٢)