يغلط من لا يميز بين معاني الألفاظ المشتركة . فنقول : نظام الدين بالمعرفة والعبادة لا يتوصل إليهما إلا بصحة البدن وبقاء الحياة وسلامة قدر الحاجات من الكسوة والمسكن والأقوات ، والأمن هو آخر الآفات ، ولعمري من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه وله قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ، وليس يأمن الإنسان على روحه وبدنه وماله ومسكنه وقوته في جميع الأحوال بل في بعضها ، فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضرورية ، وإلا فمن كان جميع أوقاته مستغرقا بحراسة نفسه من سيوف الظلمة وطلب قوته من وجوه الغلبة ، متى يتفرغ للعلم والعمل وهما وسيلتاه إلى سعادة الآخرة ، فإذن بان نظام الدنيا ، أعني مقادير الحاجة شرط لنظام الدين . وأما المقدمة الثانية وهو أن الدنيا والأمن على الأنفس والأموال لا ينتظم إلا بسلطان مطاع فتشهد له مشاهدة أوقات الفتن بموت السلاطين والأئمة ، وإن ذلك لو دام ولم يتدارك بنصب سلطان آخر مطاع دام الهرج وعم السيف وشمل القحط وهلكت المواشي وبطلت الصناعات ، وكان كل غلب سلب ولم يتفرغ أحد للعبادة والعلم إن بقي حيا ، والأكثرون يهلكون تحت ظلال السيوف ، ولهذا قيل : الدين والسلطان
الفرق والكلام وعقيدة المتأخرين
الاقتصاد في الاعتقاد
أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥هـ)
دار ومكتبة الهلال، لبنان · ١٩٩٣م · نص مشروع OpenITI
الاقتصاد في الاعتقاد · الجزء ١ · ص ٢٥٥
الإحالة: (الغزالي، ت ٥٠٥هـ: ١/٢٥٥)