منهما إلا تفهيما بصوت أو بغير صوت ، ولا يستدعي منه إلا فهما ، ولا يستدعي الفهم إلا حياة ، والإنسان لا يفهم بجميع بدنه بل بجزء من باطن قلبه ، واحياء جزء يفهم السؤال ويجيب ممكن مقدور عليه ، فيبقى قول القائل إنا نرى الميت ولا نشاهد منكرا ونكيرا ولا نسمع صوتهما في السؤال ولا صوت الميت في الجواب ، فهذا يلزمه منه أن ينكر مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام وسماعه كلامه وسماع جبريل جوابه ولا يستطيع مصدق الشرع أن ينكر ذلك ، إذ ليس فيه إلا أن الله تعالى خلق له سماعا لذلك الصوت ومشاهدة لذلك الشخص ، ولم يخلق للحاضرين عنده ولا لعائشة رضي الله تعالى عنها وقد كانت تكون عنده حاضرة في وقت ظهور بركات الوحي ، فانكار هذا مصدره الإلحاد وإنكار سعة القدرة ، وقد فرغنا عن إبطاله ويلزم منه أيضا إنكار ما يشاهده النائم ويسمعه من الأصوات الهائلة المزعجة ، ولولا التجربة لبادر إلى الانكار كل من سمع من النائم حكاية أحواله ، فتعسا لمن ضاقت حوصلته عن تقدير اتساع القدرة لهذه الأمور المستحقرة بالاضافة إلى خلق السموات والأرض وما بينهما ، مع ما فيهما من العجائب . والسبب الذي ينفر طباع أهل الضلال عن التصديق بهذه
الفرق والكلام وعقيدة المتأخرين
الاقتصاد في الاعتقاد
أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥هـ)
دار ومكتبة الهلال، لبنان · ١٩٩٣م · نص مشروع OpenITI
الاقتصاد في الاعتقاد · الجزء ١ · ص ٢٣٧
الإحالة: (الغزالي، ت ٥٠٥هـ: ١/٢٣٧)