عن السحر والطلسمات والتخيلات فمن أين يعرف الصدق ؟ ولعل الله تعالى أراد إضلالنا وإغواءنا بتصديقه ولعل كل ما قال النبي إنه مسعد فهو مشقي ، وكلما قال مشقي فهو مسعد ، ولكن الله أراد أن يسوقنا إلى الهلاك ويغوينا بقول الرسول ، فإن الإضلال والإغواء غير محال على الله تعالى عندكم ، إذ العقل لا يحسن ولا يقبح ؛ وهذه أقوى شبهة ينبغي أن يجادل بها المعتزلي عند رومه إلزام القول بتقبيح العقل ، إذ يقول : إن لم يكن الاغواء قبيحا فلا يعرف صدق الرسل قط ولا يعلم أنه ليس باضلال . والجواب أن نقول : أما الشبهة الأولى فضعيفة ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم يرد مخبرا بما لا تشتغل العقول بمعرفته ، ولكن تستقل بفهمه إذا عرف ، فإن العقل لا يرشد إلى النافع والضار من الأعمال والأقوال والأخلاق والعقائد ، ولا يفرق بين المشقى والمسعد ، كما لا يستقل بدرك خواص الأدوية والعقاقير ، ولكنه إذا عرف فهم وصدق وانتفع بالسماع فيجتنب الهلاك ويقصد المسعد ، كما ينتفع بقول الطبيب في معرفة الداء والدواء ، ثم كما يعرف صدق الطبيب بقرائن الأحوال وأمور أخر ، فكذلك يستدل على صدق الرسول عليه السلام بمعجزات وقرائن وحالات فلا فرق . فأما الشبهة الثانية ، وهو عدم تمييز المعجزة عن السحر والتخيل ،
الفرق والكلام وعقيدة المتأخرين
الاقتصاد في الاعتقاد
أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥هـ)
دار ومكتبة الهلال، لبنان · ١٩٩٣م · نص مشروع OpenITI
الاقتصاد في الاعتقاد · الجزء ١ · ص ٢١٧
الإحالة: (الغزالي، ت ٥٠٥هـ: ١/٢١٧)