ولم يكن عليه ضرر ، فكذلك النبي قد أخبره الله تعالى بأن الطاعة شفاء والمعصية داء وأن الإيمان مسعد والكفر مهلك وأخبره بأنه غني عن العالمين سعدوا أم شقوا فإنما شأن الرسول أن يبلغ ويرشد إلى طريقة المعرفة وينصرف ، فمن نظر فلنفسه ومن قصر فعليها ، وهذا واضح . فإن قيل : فقد رجع الأمر إلى أن العقل هو الموجب من حيث أنه بسماع كلامه ودعواه يتوقع عقابا فيحمله العقل على الحذر ولا يحصل إلا بالنظر فيوجب عليه النظر ، قلنا : الحق الذي يكشف الغطاء في هذا من غير اتباع وهم وتقليد أمر هو أن الوجوب كما بأن عبارة عن نوع رجحان في الفعل ، والموجب هو الله تعالى لأنه هو المرجح ، والرسول مخبر عن الترجيح ، والمعجزة دليل على صدقه في الخبر ، والنظر سبب في معرفة الصدق ، والعقل آلة النظر والفهم معنى الخبر ، والطبع مستحث على الحذر بعد فهم المحذور بالعقل ، فلا بد من طبع يخالفه العقوبة للدعوة ويوافقه الثواب الموعود ليكون مستحثا ، ولكن لا يستحث ما لم يفهم المحذور ولم يقدره ظنا أو علما ، ولا يفهم إلا بالعقل والعقل لا يفهم الترجيح بنفسه بل بسماعه من الرسول ، والرسول لا يرجح الفعل على الترك بنفسه بل الله هو المرجح والرسول مخبر ، وصدق الرسول لا
الفرق والكلام وعقيدة المتأخرين
الاقتصاد في الاعتقاد
أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥هـ)
دار ومكتبة الهلال، لبنان · ١٩٩٣م · نص مشروع OpenITI
الاقتصاد في الاعتقاد · الجزء ١ · ص ٢١٤
الإحالة: (الغزالي، ت ٥٠٥هـ: ١/٢١٤)