فهما في حق إلاهيته وجلاله سيان ، ثم كيف يستحسن أن سلك طريق المجازاة واستحسن ذلك تأييد العقاب خالدا مخلدا في مقابلته العصيان بكلمة واحدة في لحظة . ومن انتهى عقله في الاستحسان إلى هذا الحد كانت دار المرضى أليق به من مجامع العلماء . على أنا نقول : لو سلك سالك ضد هذا الطريق بعينه كان أقوم قيلا وأجرى على قانون الاستحسان والاستقباح الذي تقضي به الأوهام والخيالات كما سبق ، وهو أن نقول : الانسان يقبح منه أن يعاقب على جناية سبقت وجناية تداركها إلا لوجهين : أحدهما ، أن يكون في العقوبة زجر ورعاية مصلحة في المستقبل فيحسن ذلك خيفة من فوات غرض في المستقبل ، فإن لم يكن فيه مصلحة في المستقبل أصلا فالعقوبة بمجرد المجازاة على ما سبق قبيح لأنه لا فائدة فيه للمعاقب ولا لأحد سواه ، والجاني متأذ به ودفع الأذى عنه أحسن ، وإنما يحسن الأذى لفائدة ولا فائدة ، وما مضى فلا تدارك له فهو في غاية القبح . والوجه الثاني ، أن نقول : إنه إذا تأذى المجني عليه واشتد غيظه فذلك الغيظ مؤلم وشفاء الغيظ مريح من الألم ، والألم بالجاني أليق ، ومهما عاقب الجاني زال منه ألم الغيظ واختص بالجاني فهو أولى ، فهذا أيضا له وجه ما وإن كان دليلا على نقصان العقل وغلبة الغضب عليه . فأما إيجاب العقاب حيث لا يتعلق بمصلحة في
الفرق والكلام وعقيدة المتأخرين
الاقتصاد في الاعتقاد
أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥هـ)
دار ومكتبة الهلال، لبنان · ١٩٩٣م · نص مشروع OpenITI
الاقتصاد في الاعتقاد · الجزء ١ · ص ٢٠٩
الإحالة: (الغزالي، ت ٥٠٥هـ: ١/٢٠٩)