سورة البينة · الآية ٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب } أي: [من] اليهود والنصارى { والمشركين } من سائر أصناف الأمم. { منفكين } عن كفرهم وضلالهم الذي هم عليه، أي: لا يزالون في غيهم وضلالهم، لا يزيدهم مرور السنين إلا كفرا. { حتى تأتيهم البينة } الواضحة، والبرهان الساطع، ثم فسر تلك البينة فقال: { رسول من الله } أي: أرسله الله، يدعو الناس إلى الحق، وأنزل عليه كتابا يتلوه، ليعلم الناس الحكمة ويزكيهم، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ولهذا قال: { يتلوا صحفا مطهرة } أي: محفوظة عن قربان الشياطين، لا يمسها إلا المطهرون، لأنها في أعلى ما يكون من الكلام. ولهذا قال عنها: { فيها } أي: في تلك الصحف { كتب قيمة } أي: أخبار صادقة، وأوامر عادلة تهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم، فإذا جاءتهم هذه البينة، فحينئذ يتبين طالب الحق ممن ليس له مقصد في طلبه، فيهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة. وإذا لم يؤمن أهل الكتاب لهذا الرسول وينقادوا له، فليس ذلك ببدع من ضلالهم وعنادهم، فإنهم ما تفرقوا واختلفوا وصاروا أحزابا { إلا من بعد ما جآءتهم البينة } التي توجب لأهلها الاجتماع والاتفاق، ولكنهم لرداءتهم ونذالتهم، لم يزدهم الهدى إلا ضلالا، ولا البصيرة إلا عمى، مع أن الكتب كلها جاءت بأصل واحد، ودين واحد، فما أمروا في سائر الشرائع إلا أن يعبدوا { الله مخلصين له الدين } أي: قاصدين بجميع عباداتهم الظاهرة والباطنة وجه الله، وطلب الزلفى لديه، { حنفآء } أي: معرضين [مائلين] عن سائر الأديان المخالفة لدين التوحيد. وخص الصلاة والزكاة [بالذكر] مع أنهما داخلان في قوله { ليعبدوا الله مخلصين } لفضلهما وشرفهما، وكونهما العبادتين اللتين من قام بهما قام بجميع شرائع الدين. { وذلك } أي التوحيد والإخلاص في الدين، هو { دين القيمة } أي: الدين المستقيم، الموصل إلى جنات النعيم، وما سواه فطرق موصلة إلى الجحيم. ثم ذكر جزاء الكافرين بعدما …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
البرية. وقد استدل بهذه الآية أبو هريرة وطائفة من العلماء، على تفضيل المؤمنين من البرية (1) على الملائكة؛ لقوله: {أولئك هم خير البرية} ثم قال: {جزاؤهم عند ربهم} أي: يوم القيامة، {جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا} أي: بلا انفصال ولا انقضاء ولا فراغ. {رضي الله عنهم ورضوا عنه} ومقام رضاه عنهم أعلى مما أوتوه من النعيم المقيم، {ورضوا عنه} فيما منحهم من الفضل العميم. وقوله: {ذلك لمن خشي ربه} أي: هذا الجزاء حاصل لمن خشي الله واتقاه حق تقواه، وعبده كأنه يراه، وقد علم أنه إن لم يره فإنه يراه. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا أبو معشر، عن أبي وهب -مولى أبي هريرة-عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بخير البرية؟ " قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله، كلما كانت هيعة استوى عليه. ألا أخبركم بخير البرية؟ " قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "رجل في ثلة من غنمه، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة. ألا أخبركم بشر (2) البرية؟ ". قالوا: بلى. قال: "الذي يسأل بالله، ولا يعطي به" (3) . آخر تفسير سورة "لم يكن" (4) .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٤٥٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
اليهود والنصارى والمشركين جميعهم {في نار جهنم خالدين فيها} [البينة: 6] يقول: ماكثين، لابثين فيها أبدا لا يخرجون منها، ولا يموتون فيها {أولئك هم شر البرية} [البينة: 6] ، يقول جل ثناؤه: هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، هم شر من برأه الله وخلقه؛ والعرب لا تهمز البرية، وبترك الهمز فيها قرأتها قراء الأمصار، غير شيء يذكر عن نافع بن أبي نعيم، فإنه حكى بعضهم عنه أنه كان يهمزها، وذهب بها إلى قول الله: {من قبل أن نبرأها} [الحديد: 22] وأنها فعيلة من ذلك. وأما الذين لم يهمزوها، فإن لتركهم الهمز في ذلك وجهين: أحدهما أن يكونوا تركوا الهمز فيها، كما تركوه من الملك، وهو مفعل من
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٥٥٥) ↗التحرير والتنوير
عنه وعن إسماعيل: ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك [البقرة: 128] . وحكى عنه وعن يعقوب قولهما: فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون [البقرة: 132] وقال سليمان: وكنا مسلمين [النمل: 42] . وقد مضى القول في ذلك عند قوله تعالى: فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون في سورة البقرة [132] . والإشارة بذلك إلى الذي أمروا به أي مجموع ما ذكر هو دين الإسلام، أي هو الذي دعاهم إليه الإسلام فحسبوه نقضا لدينهم، فيكون مهيع الآية مثل قوله تعالى: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون [آل عمران: 64] وقوله: قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل [المائدة: 59] . والمقصود إقامة الحجة على أهل الكتاب وعلى المشركين تبعا لهم بأنهم أعرضوا عما هم يتطلبونه فإنهم جميعا مقرون بأن الحنيفية هي الحق الذي أقيمت عليه الموسوية والعيسوية، والمشركون يزعمون أنهم يطلبون الحنيفية ويأخذون بما أدركوه من بقاياها ويزعمون أن اليهودية والنصرانية تحريف للحنيفية، فلذلك كان عامة العرب غير متهودين ولا متنصرين ويتمسكون بما وجدوا آباءهم متمسكين به وقل منهم من تهودوا أو تنصروا، وذهب نفر منهم يتطلبون آثار الحنيفية مثل زيد بن عمرو بن نفيل، وأمية بن أبي الصلت. وخص الضمير ب «أهل الكتاب» لأن المشركين لم يؤمروا بذلك قبل الإسلام قال تعالى: لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك [القصص: 46] . [6] إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية (6) بعد أن أنحى على أهل الكتاب والمشركين معا ثم خص أهل الكتاب بالطعن في تعللاتهم والإبطال لشبهاتهم التي يتابعهم المشركون عليها. أعقبه بوعيد الفريقين
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٤٨٢) ↗