سورة العلق · الآية ١٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذه السورة أول السور القرآنية نزولا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإنها نزلت عليه في مبادئ النبوة، إذ كان لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان، فجاءه جبريل عليه الصلاة والسلام بالرسالة، وأمره أن يقرأ، فامتنع، وقال: " ما أنا بقارئ " فلم يزل به حتى قرأ. فأنزل الله عليه: { اقرأ باسم ربك الذي خلق } عموم الخلق، ثم خص الإنسان، وذكر ابتداء خلقه { من علق } فالذي خلق الإنسان واعتنى بتدبيره، لا بد أن يدبره بالأمر والنهي، وذلك بإرسال الرسول إليهم، وإنزال الكتب عليهم، ولهذا ذكر بعد الأمر بالقراءة، خلقه للإنسان. ثم قال: { اقرأ وربك الأكرم } أي: كثير الصفات واسعها، كثير الكرم والإحسان، واسع الجود، الذي من كرمه أن علم بالعلم. و { علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم } فإنه تعالى أخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئا، وجعل له السمع والبصر والفؤاد، ويسر له أسباب العلم. فعلمه القرآن، وعلمه الحكمة، وعلمه بالقلم، الذي به تحفظ العلوم، وتضبط الحقوق، وتكون رسلا للناس تنوب مناب خطابهم، فلله الحمد والمنة، الذي أنعم على عباده بهذه النعم التي لا يقدرون لها على جزاء ولا شكور، ثم من عليهم بالغنى وسعة الرزق، ولكن الإنسان - لجهله وظلمه - إذا رأى نفسه غنيا، طغى وبغى، وتجبر عن الهدى، ونسي أن إلى ربه الرجعى، ولم يخف الجزاء، بل ربما وصلت به الحال أنه يترك الهدى بنفسه، ويدعو [غيره] إلى تركه، فينهى عن الصلاة التي هي أفضل أعمال الإيمان. يقول الله لهذا المتمرد العاتي: { أرأيت } أيها الناهي للعبد إذا صلى { إن كان } العبد المصلي { على الهدى } العلم بالحق والعمل به، { أو أمر } غيره { بالتقوى }. فهل يحسن أن ينهى من هذا وصفه؟ أليس نهيه من أعظم المحادة لله والمحاربة للحق؟ فإن النهي لا يتوجه إلا لمن هو في نفسه على غير الهدى، أو كان يأمر غيره بخلاف التقوى. { أرأيت إن كذب } الناهي بالحق، { وتولى } عن الأمر، أما يخاف الله ويخشى …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
فأما صاحب العلم فيزداد رضا الرحمن، وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان. قال ثم قرأ عبد الله: {إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} وقال للآخر: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28] . وقد روي هذا مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا" (1) . ثم قال تعالى: {أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى} نزلت في أبي جهل، لعنه الله، توعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصلاة عند البيت، فوعظه الله تعالى بالتي هي أحسن أولا فقال: {أرأيت إن كان على الهدى} أي: فما ظنك إن كان هذا الذي تنهاه على الطريق المستقيمة في فعله، أو {أمر بالتقوى} بقوله، وأنت تزجره وتتوعده على صلاته؛ ولهذا قال: {ألم يعلم بأن الله يرى} أي: أما علم هذا الناهي لهذا المهتدي أن الله يراه ويسمع كلامه، وسيجازيه على فعله أتم الجزاء. ثم قال تعالى متوعدا ومتهددا: {كلا لئن لم ينته} أي: لئن لم يرجع عما هو فيه من الشقاق والعناد {لنسفعن بالناصية} أي: لنسمنها سوادا يوم القيامة. ثم قال: {ناصية كاذبة خاطئة} يعني: ناصية أبي جهل كاذبة في مقالها خاطئة في فعالها. {فليدع ناديه} أي: قومه وعشيرته، أي: ليدعهم يستنصر بهم، {سندع الزبانية} وهم ملائكة العذاب، حتى يعلم من يغلب: أحزبنا أو حزبه. قال البخاري: حدثنا يحيى، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه. فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "لئن فعله لأخذته الملائكة". ثم قال: تابعه عمرو بن خالد، عن عبيد الله -يعني ابن عمرو-عن عبد الكريم (2) . وكذا رواه الترمذي والنسائي في تفسيرهما من طريق عبد الرزاق، به (3) وهكذا رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن زكريا بن عدي، عن عبيد الله بن عمرو، به (4) . وروى أحمد، والترمذي (5) وابن جرير -وهذا لفظه-من طريق داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
صلى الله عليه وسلم: أرأيت يا محمد أبا جهل الذي ينهاك أن تصلي عند المقام، وهو معرض عن الحق، مكذب به، يعجب جل ثناؤه نبيه والمؤمنين من جهل أبي جهل، وجراءته على ربه، في نهيه محمدا عن الصلاة لربه، وهو مع أياديه عنده مكذب به وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٥٣٣) ↗التحرير والتنوير
بالقلم إيماء إلى استمرار صفة الأمية للنبيء صلى الله عليه وسلم لأنها وصف مكمل لإعجاز القرآن قال تعالى: وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون [العنكبوت: 48] . وهذه آخر الخمس الآيات التي هي أول ما أنزل على النبيء صلى الله عليه وسلم في غار حراء. [6- 10] 10] كلا إن الإنسان ليطغى (6) أن رآه استغنى (7) إن إلى ربك الرجعى (8) أرأيت الذي ينهى (9) عبدا إذا صلى (10) استئناف ابتدائي لظهور أنه في غرض لا اتصال له بالكلام الذي قبله. وحرف كلا ردع وإبطال، وليس في الجملة التي قبله ما يحتمل الإبطال والردع، فوجود كلا في أول الجملة دليل على أن المقصود بالردع هو ما تضمنه قوله: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى الآية. وحق كلا أن تقع بعد كلام لإبطاله والزجر عن مضمونه، فوقوعها هنا في أول الكلام يقتضي أن معنى الكلام الآتي بعدها حقيق بالإبطال وبردع قائله، فابتدئ الكلام بحرف الردع للإبطال، ومن هذا القبيل أن يفتتح الكلام بحرف نفي ليس بعده ما يصلح لأن يلي الحرف كما في قول امرئ القيس: فلا وأبيك ابنة العامر ... ي لا يدعي القوم أني أفر روى مسلم عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: «قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه (أي يسجد في الصلاة) بين أظهركم؟ فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته فأتى رسول الله وهو يصلي زعم ليطأ على رقبته فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيده. فقيل له: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا قال: فأنزل الله ، لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه: إن الإنسان ليطغى الآيات اه.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٤٤٢) ↗