البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة التين · الآية ٧

﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{ التين } هو التين المعروف، وكذلك { الزيتون } أقسم بهاتين الشجرتين، لكثرة منافع شجرهما وثمرهما، ولأن سلطانهما في أرض الشام، محل نبوة عيسى ابن مريم عليه السلام. { وطور سينين } أي: طور سيناء، محل نبوة موسى صلى الله عليه وسلم، { وهذا البلد الأمين } وهي مكة المكرمة، محل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. فأقسم تعالى بهذه المواضع المقدسة، التي اختارها وابتعث منها أفضل النبوات وأشرفها. والمقسم عليه قوله: { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } أي: تام الخلق، متناسب الأعضاء، منتصب القامة، لم يفقد مما يحتاج إليه ظاهرا أو باطنا شيئا، ومع هذه النعم العظيمة، التي ينبغي منه القيام بشكرها، فأكثر الخلق منحرفون عن شكر المنعم، مشتغلون باللهو واللعب، قد رضوا لأنفسهم بأسافل الأمور، وسفساف الأخلاق، فردهم الله في أسفل سافلين أي: أسفل النار، موضع العصاة المتمردين على ربهم، إلا من من الله عليه بالإيمان والعمل الصالح، والأخلاق الفاضلة العالية، { فلهم } بذلك المنازل العالية، و { أجر غير ممنون } أي: غير مقطوع، بل لذات متوافرة، وأفراح متواترة، ونعم متكاثرة، في أبد لا يزول، ونعيم لا يحول، أكلها دائم وظلها، { فما يكذبك بعد بالدين } أي: أي شيء يكذبك أيها الإنسان بيوم الجزاء على الأعمال، وقد رأيت من آيات الله الكثيرة ما به يحصل لك اليقين، ومن نعمه ما يوجب عليك أن لا تكفر بشيء مما أخبرك به، { أليس الله بأحكم الحاكمين } فهل تقتضي حكمته أن يترك الخلق سدى لا يؤمرون ولا ينهون، ولا يثابون ولا يعاقبون؟ أم الذي خلق الإنسان أطوارا بعد أطوار، وأوصل إليهم من النعم والخير والبر ما لا يحصونه، ورباهم التربية الحسنة، لا بد أن يعيدهم إلى دار هي مستقرهم وغايتهم، التي إليها يقصدون، ونحوها يؤمون. تمت ولله الحمد.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التين ١–٨) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… كان هذا هو المراد لما حسن استثناء المؤمنين من ذلك؛ لأن الهرم قد يصيب بعضهم، وإنما المراد ما ذكرناه، كقوله: {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [العصر: 1 -3] . وقوله: {فلهم أجر غير ممنون} أي: غير مقطوع، كما تقدم. ثم قال: {فما يكذبك} يعني: يا ابن آدم {بعد بالدين} ؟ أي: بالجزاء في المعاد وقد علمت البدأة، وعرفت أن من قدر على البدأة، فهو قادر على الرجعة بطريق الأولى، فأي شيء يحملك على التكذيب بالمعاد وقد عرفت هذا؟ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن منصور قال: قلت لمجاهد: {فما يكذبك بعد بالدين} عنى به النبي صلى الله عليه وسلم قال: معاذ الله! عنى به الإنسان. وهكذا قال عكرمة وغيره. وقوله: {أليس الله بأحكم الحاكمين} أي: أما هو أحكم الحاكمين، الذي لا يجور ولا يظلم أحدا، ومن عدله أن يقيم القيامة فينصف المظلوم في الدنيا ممن ظلمه. وقد قدمنا في حديث أبي هريرة مرفوعا: "فإذا قرأ أحدكم {والتين والزيتون} فأتى على آخرها: {أليس الله بأحكم الحاكمين} فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين" (3) . آخر تفسير [سورة] (4) " والتين والزيتون " ولله الحمد.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٤٣٥) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

يبعث من في القبور؟ قالوا: ما في معنى من، لأنه عني به ابن آدم، ومن بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال آخرون: بل معنى ذلك: {فما يكذبك} [التين: 7] أيها الإنسان {بعد} [البقرة: 27] هذه الحجج {بالدين} [الانفطار: 9]

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٥٢٣) ↗

التحرير والتنوير

من عليه، ويجوز أن يكون مفعولا من من الحبل، إذا قطعه فهو منين، أي مقطوع أو موشك على التقطع. [7، 8] فما يكذبك بعد بالدين (7) أليس الله بأحكم الحاكمين (8) تفريع على جميع ما ذكر من تقويم خلق الإنسان ثم رده أسفل سافلين، لأن ما بعد الفاء من الكلام مسبب عن البيان الذي قبل الفاء، أي فقد بان لك أن غير الذين آمنوا هم الذين ردوا إلى أسفل سافلين، فمن يكذب منهم بالدين الحق بعد هذا البيان. و (ما) يجوز أن تكون استفهامية، والاستفهام توبيخي، والخطاب للإنسان المذكور في قوله: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم [التين: 4] فإنه بعد أن استثني منه الذين آمنوا بقي الإنسان المكذب. وضمير الخطاب التفات، ومقتضى الظاهر أن يقال: فما يكذبه. ونكتة الالتفات هنا أنه أصرح في مواجهة الإنسان المكذب بالتوبيخ. ومعنى يكذبك يجعلك مكذبا، أي لاعذر لك في تكذيبك بالدين. ومتعلق التكذيب: إما محذوف لظهوره، أي يجعلك مكذبا بالرسول صلى الله عليه وسلم، وإما المجرور بالباء، أي يجعلك مكذبا بدين الإسلام، أو مكذبا بالجزاء إن حمل الدين على معنى الجزاء وجملة: أليس الله بأحكم الحاكمين مستأنفة للتهديد والوعيد. و (الدين) يجوز أن يكون بمعنى الملة والشريعة، كقوله تعالى: إن الدين عند الله الإسلام [آل عمران: 19] وقوله: ومن يبتغ غير الإسلام دينا [آل عمران: 85] . وعليه تكون الباء للسببية، أي فمن يكذبك بعد هذا بسبب ما جئت به من الدين فالله يحكم فيه. ومعنى يكذبك: ينسبك للكذب بسبب ما جئت به من الدين أو ما أنذرت به من الجزاء، وأسلوب هذا التركيب مؤذن بأنهم لم يكونوا ينسبون النبيء صلى الله عليه وسلم إلى الكذب قبل أن يجيئهم بهذا الدين.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٤٣٠) ↗