سورة التين · الآية ٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ التين } هو التين المعروف، وكذلك { الزيتون } أقسم بهاتين الشجرتين، لكثرة منافع شجرهما وثمرهما، ولأن سلطانهما في أرض الشام، محل نبوة عيسى ابن مريم عليه السلام. { وطور سينين } أي: طور سيناء، محل نبوة موسى صلى الله عليه وسلم، { وهذا البلد الأمين } وهي مكة المكرمة، محل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. فأقسم تعالى بهذه المواضع المقدسة، التي اختارها وابتعث منها أفضل النبوات وأشرفها. والمقسم عليه قوله: { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } أي: تام الخلق، متناسب الأعضاء، منتصب القامة، لم يفقد مما يحتاج إليه ظاهرا أو باطنا شيئا، ومع هذه النعم العظيمة، التي ينبغي منه القيام بشكرها، فأكثر الخلق منحرفون عن شكر المنعم، مشتغلون باللهو واللعب، قد رضوا لأنفسهم بأسافل الأمور، وسفساف الأخلاق، فردهم الله في أسفل سافلين أي: أسفل النار، موضع العصاة المتمردين على ربهم، إلا من من الله عليه بالإيمان والعمل الصالح، والأخلاق الفاضلة العالية، { فلهم } بذلك المنازل العالية، و { أجر غير ممنون } أي: غير مقطوع، بل لذات متوافرة، وأفراح متواترة، ونعم متكاثرة، في أبد لا يزول، ونعيم لا يحول، أكلها دائم وظلها، { فما يكذبك بعد بالدين } أي: أي شيء يكذبك أيها الإنسان بيوم الجزاء على الأعمال، وقد رأيت من آيات الله الكثيرة ما به يحصل لك اليقين، ومن نعمه ما يوجب عليك أن لا تكفر بشيء مما أخبرك به، { أليس الله بأحكم الحاكمين } فهل تقتضي حكمته أن يترك الخلق سدى لا يؤمرون ولا ينهون، ولا يثابون ولا يعاقبون؟ أم الذي خلق الإنسان أطوارا بعد أطوار، وأوصل إليهم من النعم والخير والبر ما لا يحصونه، ورباهم التربية الحسنة، لا بد أن يعيدهم إلى دار هي مستقرهم وغايتهم، التي إليها يقصدون، ونحوها يؤمون. تمت ولله الحمد.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التين ١–٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قالوا: وفي آخر التوراة ذكر هذه الأماكن الثلاثة: جاء الله من طور سيناء -يعني الذي كلم الله عليه موسى [بن عمران] (1) -وأشرق من ساعير -يعني بيت المقدس الذي بعث الله منه عيسى-واستعلن من جبال فاران -يعني: جبال مكة التي أرسل الله منها محمدا-فذكرهم (2) على الترتيب الوجودي بحسب ترتيبهم في الزمان، ولهذا أقسم بالأشرف، ثم الأشرف منه، ثم بالأشرف منهما. وقوله: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} هذا هو المقسم عليه، وهو أنه تعالى خلق الإنسان في أحسن صورة، وشكل منتصب القامة، سوي الأعضاء حسنها. {ثم رددناه أسفل سافلين} أي: إلى النار. قاله مجاهد، وأبو العالية، والحسن، وابن زيد، وغيرهم. ثم بعد هذا الحسن والنضارة مصيره إلى النار إن لم يطع الله ويتبع الرسل؛ ولهذا قال: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} وقال بعضهم: {ثم رددناه أسفل سافلين} أي: إلى أرذل العمر. روي هذا عن ابن عباس، وعكرمة -حتى قال عكرمة: من جمع القرآن لم يرد إلى أرذل العمر. واختار ذلك ابن جرير. ولو كان هذا هو المراد لما حسن استثناء المؤمنين من ذلك؛ لأن الهرم قد يصيب بعضهم، وإنما المراد ما ذكرناه، كقوله: {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [العصر: 1 -3] . وقوله: {فلهم أجر غير ممنون} أي: غير مقطوع، كما تقدم. ثم قال: {فما يكذبك} يعني: يا ابن آدم {بعد بالدين} ؟ أي: بالجزاء في المعاد وقد علمت البدأة، وعرفت أن من قدر على البدأة، فهو قادر على الرجعة بطريق الأولى، فأي شيء يحملك على التكذيب بالمعاد وقد عرفت هذا؟ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن منصور قال: قلت لمجاهد: {فما يكذبك بعد بالدين} عنى به النبي صلى الله عليه وسلم قال: معاذ الله! عنى به الإنسان. وهكذا قال عكرمة وغيره. وقوله: {أليس الله بأحكم الحاكمين} أي: أما هو أحكم الحاكمين، الذي لا يجور ولا يظلم أحدا، ومن عدله أن يقيم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
التين الذي يؤكل، والزيتون: الزيتون الذي يعصر
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٥٠١) ↗التحرير والتنوير
ذلك من النحل والملل قد حاد عن أصول شرائع الله كلها بقطع النظر عن اختلافها في الفروع، ويكفي في تقوم معنى براعة الاستهلال ما يلوح في المعنى من احتمال. وجملة: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم مع ما عطف عليه هو جواب القسم. والقسم عليه يدل على أن التقويم تقويم خفي وأن الرد رد خفي يجب التدبر لإدراكه كما سنبينه في قوله: في أحسن تقويم فلذلك ناسب أن يحقق بالتوكيد بالقسم، لأن تصرفات معظم الناس في عقائدهم جارية على حالة تشبه حالة من ينكرون أنهم خلقوا على الفطرة. والخلق: تكوين وإيجاد لشيء، وخلق الله جميع الناس هو أنه خلق أصول الإيجاد وأوجد الأصول الأولى في بدء الخليقة كما قال تعالى: لما خلقت بيدي [ص: 75] وخلق أسباب تولد الفروع من الأصول فتناسب منها ذرياتهم كما قال: ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم [الأعراف: 11] . وتعريف الإنسان يجوز أن يكون تعريف الجنس، وهو التعريف الملحوظ فيه مجموع الماهية مع وجودها في الخارج في ضمن بعض أفرادها أو جميع أفرادها. ويحمل على معنى: خلقنا جميع الناس في أحسن تقويم. ويجوز أن يكون تعريف الإنسان تعريف الحقيقة نحو قولهم: الرجل خير من المرأة، وقول امرئ القيس: الحرب أول ما تكون فتية فلا يلاحظ فيه أفراد الجنس بل الملحوظ حالة الماهية في أصلها دون ما يعرض لأفرادها مما يغير بعض خصائصها. ومنه التعريف الواقع في قوله تعالى: إن الإنسان خلق هلوعا، وقد تقدم في سورة المعارج [19] . والتقويم: جعل الشيء في قوام (بفتح القاف) ، أي عدل وتسوية، وحسن
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٤٢٣) ↗