سورة الشرح · الآية ٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى - ممتنا على رسوله -: { ألم نشرح لك صدرك } أي: نوسعه لشرائع الدين والدعوة إلى الله، والاتصاف بمكارم الأخلاق، والإقبال على الآخرة، وتسهيل الخيرات فلم يكن ضيقا حرجا، لا يكاد ينقاد لخير، ولا تكاد تجده منبسطا. { ووضعنا عنك وزرك } أي: ذنبك، { الذي أنقض } أي: أثقل { ظهرك } كما قال تعالى: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر [الفتح: 2]. { ورفعنا لك ذكرك } أي: أعلينا قدرك، وجعلنا لك الثناء الحسن العالي، الذي لم يصل إليه أحد من الخلق، فلا يذكر الله إلا ذكر معه رسوله صلى الله عليه وسلم، كما في الدخول في الإسلام، وفي الأذان والإقامة والخطب، وغير ذلك من الأمور التي أعلى الله بها ذكر رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. وله في قلوب أمته من المحبة والإجلال والتعظيم ما ليس لأحد غيره، بعد الله تعالى، فجزاه الله عن أمته أفضل ما جزى نبيا عن أمته. وقوله: { فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا } بشارة عظيمة، أنه كلما وجد عسر وصعوبة، فإن اليسر يقارنه ويصاحبه، حتى لو دخل العسر جحر ضب لدخل عليه اليسر، فأخرجه كما قال تعالى: سيجعل الله بعد عسر يسرا [الطلاق: 7] وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا ". وتعريف " العسر " في الآيتين، يدل على أنه واحد، وتنكير " اليسر " يدل على تكراره، فلن يغلب عسر يسرين. وفي تعريفه بالألف واللام، الدالة على الاستغراق والعموم يدل على أن كل عسر - وإن بلغ من الصعوبة ما بلغ - فإنه في آخره التيسير ملازم له. ثم أمر الله رسوله أصلا، والمؤمنين تبعا، بشكره والقيام بواجب نعمه، فقال: { فإذا فرغت فانصب } أي: إذا تفرغت من أشغالك، ولم يبق في قلبك ما يعوقه، فاجتهد في العبادة والدعاء. { وإلى ربك } وحده { فارغب } أي: أعظم الرغبة في إجابة دعائك وقبول عباداتك. ولا تكن ممن إذا فرغوا وتفرغوا لعبوا وأعرضوا عن ربهم وعن ذكره، فتكون من الخاسرين. وقد …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
إبهام رجلي اليمنى فقال: اغد واسلم. فرجعت بها أغدو، رقة على الصغير، ورحمة للكبير" (1) . وقوله: {ووضعنا عنك وزرك} بمعنى: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح: 2] {الذي أنقض ظهرك} الإنقاض: الصوت. وقال غير واحد من السلف في قوله: {الذي أنقض ظهرك} أي: أثقلك حمله. وقوله: {ورفعنا لك ذكرك} قال مجاهد: لا أذكر إلا ذكرت معي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. وقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أتاني جبريل فقال: إن ربي وربك يقول: كيف رفعت ذكرك؟ قال: الله أعلم. قال: إذا ذكرت ذكرت معي"، وكذا رواه ابن أبي حاتم عن يونس بن عبد الأعلى، به ورواه أبو يعلى من طريق ابن لهيعة، عن دراج (2) . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو عمر الحوضي، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته، قلت: قد كانت قبلي أنبياء، منهم من سخرت له الريح (3) ومنهم من يحيي الموتى. قال: يا محمد، ألم أجدك يتيما فآويتك؟ قلت: بلى يا رب. قال: ألم أجدك ضالا فهديتك؟ قلت: بلى يا رب. قال: ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ قال: قلت: بلى يا رب. قال: ألم أشرح (4) لك صدرك؟ ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت: بلى يا رب" (5) . وقال أبو نعيم في "دلائل النبوة": حدثنا أبو أحمد الغطريفي، حدثنا موسى بن سهل الجوني، حدثنا أحمد بن القاسم بن بهرام الهيتي، حدثنا نصر بن حماد، عن عثمان بن عطاء، عن الزهري، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما فرغت مما أمرني الله به من أمر السموات …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
على شكره على ما أنعم عليه، ليستوجب بذلك المزيد منه: {ألم نشرح لك} [الشرح: 1] يا محمد، للهدى والإيمان بالله ومعرفة الحق {صدرك} [الأعراف: 2] فنلين لك قلبك، ونجعله وعاء للحكمة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٤٩٢) ↗التحرير والتنوير
وهي في إفادة العناية به تساوي كلمة لك، لأن فعل الوضع المعدى إلى الوزر يدل على أن الوضع عنه فكانت زيادة عنك إطنابا يشير إلى أن ذلك عناية به نظير قوله: لك الذي قبله، فحصل بذكر عنك إيفاء إلى تعدية فعل وضعنا مع الإيفاء بحق الإبهام ثم البيان. [5- 6] فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا (6) الفاء فصيحة تفصح عن كلام مقدر يدل عليه الاستفهام التقريري هنا، أي إذا علمت هذا وتقرر، تعلم أن اليسر مصاحب للعسر، وإذ كان اليسر نقيض العسر كانت مصاحبة اليسر للعسر مقتضية نقض تأثير العسر ومبطلة لعمله، فهو كناية رمزية عن إدراك العناية الإلهية به فيما سبق، وتعريض بالوعد باستمرار ذلك في كل أحواله. وسياق الكلام وعد للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن ييسر الله له المصاعب كلما عرضت له، فاليسر لا يتخلف عن اللحاق بتلك المصاعب، وذلك من خصائص كلمة مع الدالة على المصاحبة. وكلمة مع هنا مستعملة في غير حقيقة معناها لأن العسر واليسر نقيضان فمقارنتهما معا مستحيلة، فتعين أن المعية مستعارة لقرب حصول اليسر عقب حلول العسر أو ظهور بوادره، بقرينة استحالة المعنى الحقيقي للمعية. وبذلك يندفع التعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى: سيجعل الله بعد عسر يسرا في سورة الطلاق [7] . فهذه الآية في عسر خاص يعرض للنبيء صلى الله عليه وسلم، وآية سورة الطلاق عامة، وللبعدية فيها مراتب متفاوتة. فالتعريف في العسر تعريف العهد، أي العسر الذي عهدته وعلمته وهو من قبيل ما يسميه نحاة الكوفة بأن (أل) فيه عوض عن المضاف إليه نحو قوله تعالى: فإن الجنة هي المأوى [النازعات: 41] أي فإن مع عسرك يسرا، فتكون السورة كلها مقصورة على بيان كرامة النبيء صلى الله عليه وسلم عند ربه تعالى.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٤١٣) ↗