سورة الشرح · الآية ١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى - ممتنا على رسوله -: { ألم نشرح لك صدرك } أي: نوسعه لشرائع الدين والدعوة إلى الله، والاتصاف بمكارم الأخلاق، والإقبال على الآخرة، وتسهيل الخيرات فلم يكن ضيقا حرجا، لا يكاد ينقاد لخير، ولا تكاد تجده منبسطا. { ووضعنا عنك وزرك } أي: ذنبك، { الذي أنقض } أي: أثقل { ظهرك } كما قال تعالى: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر [الفتح: 2]. { ورفعنا لك ذكرك } أي: أعلينا قدرك، وجعلنا لك الثناء الحسن العالي، الذي لم يصل إليه أحد من الخلق، فلا يذكر الله إلا ذكر معه رسوله صلى الله عليه وسلم، كما في الدخول في الإسلام، وفي الأذان والإقامة والخطب، وغير ذلك من الأمور التي أعلى الله بها ذكر رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. وله في قلوب أمته من المحبة والإجلال والتعظيم ما ليس لأحد غيره، بعد الله تعالى، فجزاه الله عن أمته أفضل ما جزى نبيا عن أمته. وقوله: { فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا } بشارة عظيمة، أنه كلما وجد عسر وصعوبة، فإن اليسر يقارنه ويصاحبه، حتى لو دخل العسر جحر ضب لدخل عليه اليسر، فأخرجه كما قال تعالى: سيجعل الله بعد عسر يسرا [الطلاق: 7] وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا ". وتعريف " العسر " في الآيتين، يدل على أنه واحد، وتنكير " اليسر " يدل على تكراره، فلن يغلب عسر يسرين. وفي تعريفه بالألف واللام، الدالة على الاستغراق والعموم يدل على أن كل عسر - وإن بلغ من الصعوبة ما بلغ - فإنه في آخره التيسير ملازم له. ثم أمر الله رسوله أصلا، والمؤمنين تبعا، بشكره والقيام بواجب نعمه، فقال: { فإذا فرغت فانصب } أي: إذا تفرغت من أشغالك، ولم يبق في قلبك ما يعوقه، فاجتهد في العبادة والدعاء. { وإلى ربك } وحده { فارغب } أي: أعظم الرغبة في إجابة دعائك وقبول عباداتك. ولا تكن ممن إذا فرغوا وتفرغوا لعبوا وأعرضوا عن ربهم وعن ذكره، فتكون من الخاسرين. وقد …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
إبهام رجلي اليمنى فقال: اغد واسلم. فرجعت بها أغدو، رقة على الصغير، ورحمة للكبير" (1) . وقوله: {ووضعنا عنك وزرك} بمعنى: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح: 2] {الذي أنقض ظهرك} الإنقاض: الصوت. وقال غير واحد من السلف في قوله: {الذي أنقض ظهرك} أي: أثقلك حمله. وقوله: {ورفعنا لك ذكرك} قال مجاهد: لا أذكر إلا ذكرت معي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. وقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أتاني جبريل فقال: إن ربي وربك يقول: كيف رفعت ذكرك؟ قال: الله أعلم. قال: إذا ذكرت ذكرت معي"، وكذا رواه ابن أبي حاتم عن يونس بن عبد الأعلى، به ورواه أبو يعلى من طريق ابن لهيعة، عن دراج (2) . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو عمر الحوضي، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته، قلت: قد كانت قبلي أنبياء، منهم من سخرت له الريح (3) ومنهم من يحيي الموتى. قال: يا محمد، ألم أجدك يتيما فآويتك؟ قلت: بلى يا رب. قال: ألم أجدك ضالا فهديتك؟ قلت: بلى يا رب. قال: ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ قال: قلت: بلى يا رب. قال: ألم أشرح (4) لك صدرك؟ ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت: بلى يا رب" (5) . وقال أبو نعيم في "دلائل النبوة": حدثنا أبو أحمد الغطريفي، حدثنا موسى بن سهل الجوني، حدثنا أحمد بن القاسم بن بهرام الهيتي، حدثنا نصر بن حماد، عن عثمان بن عطاء، عن الزهري، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما فرغت مما أمرني الله به من أمر السموات …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
على شكره على ما أنعم عليه، ليستوجب بذلك المزيد منه: {ألم نشرح لك} [الشرح: 1] يا محمد، للهدى والإيمان بالله ومعرفة الحق {صدرك} [الأعراف: 2] فنلين لك قلبك، ونجعله وعاء للحكمة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٤٩٢) ↗التحرير والتنوير
الصدق لمن علمه، فيكون قولهم: ألم تر إلى كذا في قوله: جملتين: ألم تعلم كذا وتنظر إليه. الوجه الثاني: أن يكون الاستفهام تقريريا فإنه كثر مجيء الاستفهام التقريري في الأفعال المنفية، مثل: ألم نشرح لك صدرك [الشرح: 1] ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير [البقرة: 106] . والقول (1) في فعل الرؤية وفي تعدية حرف (إلى) نظير القول فيه في الوجه الأول. الوجه الثالث: أن تجعل الاستفهام إنكاريا، إنكارا لعدم علم المخاطب بمفعول فعل الرؤية والرؤية علمية، والقول في حرف (إلى) نظير القول فيه على الوجه الأول، أو أن تكون الرؤية بصرية ضمن الفعل معنى تنظر على أن أصله أن يخاطب به من غفل عن النظر إلى شيء مبصر ويكون الاستفهام إنكاريا: حقيقة أو تنزيلا، ثم نقل المركب إلى استعماله في غير الأمور المبصرة فصار كالمثل، وقريب منه قول الأعشى: ترى الجود يجري ظاهرا فوق وجهه واستفادة التحريض، على الوجوه الثلاثة إنما هي من طريق الكناية بلازم معنى الاستفهام لأن شأن الأمر المتعجب منه أو المقرر به أو المنكور علمه، أن يكون شأنه أن تتوافر الدواعي على علمه، وذلك مما يحرض على علمه. واعلم أن هذا التركيب جرى مجرى المثل في ملازمته لهذا الأسلوب، سوى أنهم غيروه باختلاف أدوات الخطاب التي يشتمل عليها من تذكير وضده، وإفراد وضده، نحو ألم تري في خطاب المرأة وألم تريا وألم تروا وألم ترين، في التثنية والجمع هذا إذا خوطب بهذا المركب في أمر ليس من شأنه أن يكون مبصرا للمخاطب أو مطلقا. وقد اختلف في المراد من هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم، والأظهر أنهم قوم خرجوا خائفين من أعدائهم فتركوا ديارهم جبنا، وقرينة ذلك عندي قوله تعالى: وهم ألوف فإنه جملة حال وهي محل التعجيب، وإنما تكون كثرة العدد محلا للتعجيب إذا كان المقصود الخوف من العدو، فإن شأن القوم الكثيرين ألا يتركوا ديارهم خوفا وهلعا
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢/٤٧٧) ↗