البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الليل · الآية ٤

﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

هذا قسم من الله بالزمان الذي تقع فيه أفعال العباد على تفاوت أحوالهم، فقال: { والليل إذا يغشى } [أي: يعم] الخلق بظلامه، فيسكن كل إلى مأواه ومسكنه، ويستريح العباد من الكد والتعب، { والنهار إذا تجلى } للخلق، فاستضاؤوا بنوره، وانتشروا في مصالحهم، { وما خلق الذكر والأنثى } إن كانت " ما " موصولة، كان إقساما بنفسه الكريمة الموصوفة، بأنه خالق الذكور والإناث، وإن كانت مصدرية، كان قسما بخلقه للذكر والأنثى، وكمال حكمته في ذلك أن خلق من كل صنف من الحيوانات التي يريد بقاءها ذكرا وأنثى، ليبقى النوع ولا يضمحل، وقاد كلا منهما إلى الآخر بسلسلة الشهوة، وجعل كلا منهما مناسبا للآخر، فتبارك الله أحسن الخالقين. وقوله: { إن سعيكم لشتى } هذا [هو] المقسم عليه أي: إن سعيكم أيها المكلفون لمتفاوت تفاوتا كثيرا، وذلك بحسب تفاوت نفس الأعمال ومقدارها والنشاط فيها، وبحسب الغاية المقصودة بتلك الأعمال، هل هو وجه الله الأعلى الباقي؟ فيبقى السعي له ببقائه، وينتفع به صاحبه، أم هي غاية مضمحلة فانية، فيبطل السعي ببطلانها، ويضمحل باضمحلالها؟ وهذا كل عمل يقصد به غير وجه الله تعالى، بهذا الوصف، ولهذا فصل الله تعالى العاملين، ووصف أعمالهم، فقال: { فأما من أعطى } [أي] ما أمر به من العبادات المالية، كالزكوات، والكفارات والنفقات، والصدقات، والإنفاق في وجوه الخير، والعبادات البدنية كالصلاة، والصوم ونحوهما. والمركبة منهما، كالحج والعمرة [ونحوهما] { واتقى } ما نهي عنه، من المحرمات والمعاصي، على اختلاف أجناسها. { وصدق بالحسنى } أي: صدق ب " لا إله إلا الله " وما دلت عليه، من جميع العقائد الدينية، وما ترتب عليها من الجزاء الأخروي. { فسنيسره لليسرى } أي: نسهل عليه أمره، ونجعله ميسرا له كل خير، ميسرا له ترك كل شر، لأنه أتى بأسباب التيسير، فيسر الله له ذلك. { وأما من بخل } بما أمر به، فترك الإنفاق الواجب والمستحب، ولم تسمح نفسه …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

فأقسم تعالى ب {والليل إذا يغشى} أي: إذا غشي الخليقة بظلامه، {والنهار إذا تجلى} أي: بضيائه وإشراقه، {وما خلق الذكر والأنثى} كقوله: {وخلقناكم أزواجا} [النبأ: 8] ، وكقوله: {ومن كل شيء خلقنا زوجين} [الذاريات: 49] . ولما كان القسم بهذه الأشياء المتضادة كان القسم عليه أيضا متضادا؛ ولهذا قال: {إن سعيكم لشتى} أي: أعمال العباد التي اكتسبوها متضادة أيضا ومتخالفة، فمن فاعل خيرا ومن فاعل شرا. قال الله تعالى: {فأما من أعطى واتقى} أي: أعطى ما أمر بإخراجه، واتقى الله في أموره، {وصدق بالحسنى} أي: بالمجازاة على ذلك -قاله قتادة، وقال خصيف: بالثواب. وقال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو صالح، وزيد بن أسلم: {وصدق بالحسنى} أي: بالخلف. وقال أبو عبد الرحمن السلمي، والضحاك: {وصدق بالحسنى} أي: بلا إله إلا الله. وفي رواية عن عكرمة: {وصدق بالحسنى} أي: بما أنعم الله عليه. وفي رواية عن زيد بن أسلم: {وصدق بالحسنى} قال: الصلاة والزكاة والصوم. وقال مرة: وصدقة الفطر. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا زهير بن محمد، حدثني من سمع أبا العالية الرياحي يحدث عن أبي بن كعب قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسنى قال: "الحسنى: الجنة" (1) . وقوله: {فسنيسره لليسرى} قال ابن عباس: يعني للخير. وقال زيد بن أسلم: يعني للجنة. وقال بعض السلف: من ثواب الحسنة (2) الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها؛ ولهذا قال تعالى: {وأما من بخل} أي: بما عنده، {واستغنى} قال عكرمة، عن ابن عباس: أي بخل بماله، واستغنى عن ربه، عز وجل. رواه ابن أبي حاتم. {وكذب بالحسنى} أي: بالجزاء في الدار الآخرة. {فسنيسره للعسرى} أي: لطريق الشر، كما قال تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأنعام: 11] ، والآيات في هذا المعنى كثيرة دالة على أن …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

ضوءه، وجاءت ظلمته: {والليل إذا يغشى} [الليل: 1] النهار {والنهار إذا تجلى} [الليل: 2] وهذا أيضا قسم، أقسم بالنهار إذا هو أضاء فأنار، وظهر للأبصار، ما كانت ظلمة الليل قد حالت بينها وبين رؤيته وإتيانه إياها عيانا، وكان قتادة يذهب فيما أقسم الله به من الأشياء أنه إنما أقسم به لعظم شأنه عنده، كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى} [الليل: 2] قال: آيتان عظيمتان يكورهما الله على الخلائق

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٤٥٥) ↗

التحرير والتنوير

وفي قوله: إن سعيكم لشتى إجمال يفيد التشويق إلى تفصيله بقوله: فأما من أعطى [الليل: 5] الآية ليتمكن تفصيله في الذهن. وحذف مفعول يغشى لتنزيل الفعل منزلة اللازم لأن العبرة بغشيانه كل ما تغشاه ظلمته. وأسند إلى النهار التجلي مدحا له بالاستنارة التي يراها كل أحد ويحس بها حتى البصراء. والتجلي: الوضوح، وتجلي النهار: وضوح ضيائه، فهو بمعنى قوله: والشمس وضحاها [الشمس: 1] وقوله: والضحى [الضحى: 1] . وأشير إلى أن ظلمة الليل كانت غالبة لضوء النهار وأن النهار يعقبها والظلمة هي أصل أحوال أهل الأرض وجميع العوالم المرتبطة بالنظام الشمسي وإنما أضاءت بعد أن خلق الله الشمس ولذلك اعتبر التاريخ في البدء بالليالي ثم طرأ عليه التاريخ بالأيام. والقول في تقييد الليل بالظرف وتقييد النهار بمثله كالقول في قوله: والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها في السورة السابقة [الشمس: 3، 4] . وما في قوله: وما خلق الذكر والأنثى مصدرية أقسم الله بأثر من آثار قدرته وهو خلق الزوجين وما يقتضيه من التناسل. والذكر والأنثى: صنفا أنواع الحيوان. والمراد: خصوص خلق الإنسان وتكونه من ذكر وأنثى كما قال تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى [الحجرات: 13] لأنه هو المخلوق الأرفع في عالم الماديات وهو الذي يدرك المخاطبون أكثر دقائقه لتكرره على أنفسهم ذكورهم وإناثهم بخلاف تكون نسل الحيوان فإن الإنسان يدرك بعض أحواله ولا يحصي كثيرا منها. والمعنى: وذلك الخلق العجيب من اختلاف حالي الذكورة والأنوثة مع خروجهما من أصل واحد، وتوقف التناسل على تزاوجهما، فالقسم بتعلق من تعلق صفات الأفعال الإلهية وهي قسم من الصفات لا يختلف في ثبوته وإنما

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٣٧٩) ↗