سورة الليل · الآية ٢١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا قسم من الله بالزمان الذي تقع فيه أفعال العباد على تفاوت أحوالهم، فقال: { والليل إذا يغشى } [أي: يعم] الخلق بظلامه، فيسكن كل إلى مأواه ومسكنه، ويستريح العباد من الكد والتعب، { والنهار إذا تجلى } للخلق، فاستضاؤوا بنوره، وانتشروا في مصالحهم، { وما خلق الذكر والأنثى } إن كانت " ما " موصولة، كان إقساما بنفسه الكريمة الموصوفة، بأنه خالق الذكور والإناث، وإن كانت مصدرية، كان قسما بخلقه للذكر والأنثى، وكمال حكمته في ذلك أن خلق من كل صنف من الحيوانات التي يريد بقاءها ذكرا وأنثى، ليبقى النوع ولا يضمحل، وقاد كلا منهما إلى الآخر بسلسلة الشهوة، وجعل كلا منهما مناسبا للآخر، فتبارك الله أحسن الخالقين. وقوله: { إن سعيكم لشتى } هذا [هو] المقسم عليه أي: إن سعيكم أيها المكلفون لمتفاوت تفاوتا كثيرا، وذلك بحسب تفاوت نفس الأعمال ومقدارها والنشاط فيها، وبحسب الغاية المقصودة بتلك الأعمال، هل هو وجه الله الأعلى الباقي؟ فيبقى السعي له ببقائه، وينتفع به صاحبه، أم هي غاية مضمحلة فانية، فيبطل السعي ببطلانها، ويضمحل باضمحلالها؟ وهذا كل عمل يقصد به غير وجه الله تعالى، بهذا الوصف، ولهذا فصل الله تعالى العاملين، ووصف أعمالهم، فقال: { فأما من أعطى } [أي] ما أمر به من العبادات المالية، كالزكوات، والكفارات والنفقات، والصدقات، والإنفاق في وجوه الخير، والعبادات البدنية كالصلاة، والصوم ونحوهما. والمركبة منهما، كالحج والعمرة [ونحوهما] { واتقى } ما نهي عنه، من المحرمات والمعاصي، على اختلاف أجناسها. { وصدق بالحسنى } أي: صدق ب " لا إله إلا الله " وما دلت عليه، من جميع العقائد الدينية، وما ترتب عليها من الجزاء الأخروي. { فسنيسره لليسرى } أي: نسهل عليه أمره، ونجعله ميسرا له كل خير، ميسرا له ترك كل شر، لأنه أتى بأسباب التيسير، فيسر الله له ذلك. { وأما من بخل } بما أمر به، فترك الإنفاق الواجب والمستحب، ولم تسمح نفسه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… أبى". قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى". ورواه البخاري عن محمد بن سنان، عن فليح، به (3) وقوله: {وسيجنبها الأتقى} أي: وسيزحزح عن النار التقي النقي الأتقى. ثم فسره بقوله: {الذي يؤتي ماله يتزكى} أي: يصرف ماله في طاعة ربه؛ ليزكي نفسه وماله وما وهبه الله من دين ودنيا. {وما لأحد عنده من نعمة تجزى} أي: ليس بذله حاله (4) في مكافأة من أسدى إليه معروفا، فهو يعطي في مقابلة ذلك، وإنما دفعه ذلك {ابتغاء وجه ربه الأعلى} أي: طمعا في أن يحصل له رؤيته في الدار الآخرة في روضات الجنات، قال الله تعالى: {ولسوف يرضى} أي: ولسوف يرضى من اتصف بهذه الصفات. وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك. ولا شك أنه داخل فيها، وأولى الأمة (5) بعمومها، فإن لفظها لفظ العموم، وهو قوله تعالى: {وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى} ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة؛ فإنه كان صديقا تقيا كريما جوادا بذالا لأمواله في طاعة مولاه، ونصرة رسول الله، فكم من دراهم (6) ودنانير (7) بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم، ولم يكن لأحد من الناس عنده منة يحتاج إلى أن يكافئه بها، ولكن كان فضله وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل؛ ولهذا قال له عروة بن مسعود -وهو سيد ثقيف، يوم صلح الحديبية-: أما والله لولا يد لك كانت عندي لم أجزك بها لأجبتك. وكان الصديق قد أغلظ له في المقالة، فإذا كان هذا حاله مع سادات العرب ورؤساء القبائل، فكيف بمن عداهم؟ ولهذا قال: {وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى} وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أنفق زوجين في سبيل الله دعته خزنة الجنة: يا عبد الله، هذا خير"، فقال أبو بكر: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ما ينفق من ذلك، ويعطي ما يعطي، مجازاة إنسان يجازيه على يد له عنده، ولا مكافأة له على نعمة سلفت منه إليه، أنعمها عليه، ولكن يؤتيه في حقوق الله ابتغاء وجه الله. قال: وإلا في هذا الموضع بمعنى لكن؛ وقال: يجوز أن يكون الفعل في المكافأة مستقبلا، فيكون معناه: ولم يرد بما أنفق مكافأة من أحد، ويكون موقع اللام التي في أحد في الهاء التي خفضتها عنده، فكأنك قلت: وما له عند أحد فيما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها، قال: وقد تضع العرب الحرف في غير موضعه إذا كان معروفا، واستشهدوا لذلك ببيت النابغة: [البحر الطويل] وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي %~% على وعل في ذي المطارة عاقل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٤٧٨) ↗التحرير والتنوير
والدار الأولى ملكه بما فيهما قال تعالى: ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما [المائدة: 17] فله التصرف فيهما كيف يشاء فلا يحسبوا أن عليهم حقا على الله تعالى إلا ما تفضل به. وفي الآية إشارة عظيمة إلى أن أمور الجزاء في الأخرى تجري على ما رتبه الله وأعلم به عباده. وأن نظام أمور الدنيا وترتب مسبباته على أسبابه أمر قد وضعه الله تعالى وأمر بالحفاظ عليه وأرشد وهدى، فمن فرط في شيء من ذلك فقد استحق ما تسبب فيه. [14- 21] فأنذرتكم نارا تلظى (14) لا يصلاها إلا الأشقى (15) الذي كذب وتولى (16) وسيجنبها الأتقى (17) الذي يؤتي ماله يتزكى (18) وما لأحد عنده من نعمة تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (20) ولسوف يرضى (21) يجوز أن تكون الفاء لمجرد التفريع الذكري إذا كان فعل: «أنذرتكم» مستعملا في ماضيه حقيقة وكان المراد الإنذار الذي اشتمل عليه قوله: وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى إلى قوله: تردى [الليل: 8- 11] . وهذه الفاء يشبه معناها معنى فاء الفصيحة لأنها تدل على مراعاة مضمون الكلام الذي قبلها وهو تفريع إنذار مفصل على إنذار مجمل. ويجوز أن تكون الفاء للتفريع المعنوي فيكون فعل «أنذرتكم» مرادا به الحال وإنما صيغ في صيغة المضي لتقريب زمان الماضي من الحال كما في: قد قامت الصلاة، وقولهم: عزمت عليك إلا ما فعلت كذا، أي أعزم عليك، ومثل ما في صيغ العقود: كبعت، وهو تفريع على جملة: إن علينا للهدى [الليل: 12] والمعنى: هديكم فأنذرتكم إبلاغا في الهدى. وتنكير نارا للتهويل، وجملة تلظى نعت. وتلظى: تلتهب من شدة الاشتعال. وهو مشتق من اللظى مصدر: لظيت النار كرضيت إذا التهبت، وأصل تلظى تتلظى بتاءين حذفت إحداهما للاختصار.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٣٨٩) ↗