سورة الليل · الآية ١٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا قسم من الله بالزمان الذي تقع فيه أفعال العباد على تفاوت أحوالهم، فقال: { والليل إذا يغشى } [أي: يعم] الخلق بظلامه، فيسكن كل إلى مأواه ومسكنه، ويستريح العباد من الكد والتعب، { والنهار إذا تجلى } للخلق، فاستضاؤوا بنوره، وانتشروا في مصالحهم، { وما خلق الذكر والأنثى } إن كانت " ما " موصولة، كان إقساما بنفسه الكريمة الموصوفة، بأنه خالق الذكور والإناث، وإن كانت مصدرية، كان قسما بخلقه للذكر والأنثى، وكمال حكمته في ذلك أن خلق من كل صنف من الحيوانات التي يريد بقاءها ذكرا وأنثى، ليبقى النوع ولا يضمحل، وقاد كلا منهما إلى الآخر بسلسلة الشهوة، وجعل كلا منهما مناسبا للآخر، فتبارك الله أحسن الخالقين. وقوله: { إن سعيكم لشتى } هذا [هو] المقسم عليه أي: إن سعيكم أيها المكلفون لمتفاوت تفاوتا كثيرا، وذلك بحسب تفاوت نفس الأعمال ومقدارها والنشاط فيها، وبحسب الغاية المقصودة بتلك الأعمال، هل هو وجه الله الأعلى الباقي؟ فيبقى السعي له ببقائه، وينتفع به صاحبه، أم هي غاية مضمحلة فانية، فيبطل السعي ببطلانها، ويضمحل باضمحلالها؟ وهذا كل عمل يقصد به غير وجه الله تعالى، بهذا الوصف، ولهذا فصل الله تعالى العاملين، ووصف أعمالهم، فقال: { فأما من أعطى } [أي] ما أمر به من العبادات المالية، كالزكوات، والكفارات والنفقات، والصدقات، والإنفاق في وجوه الخير، والعبادات البدنية كالصلاة، والصوم ونحوهما. والمركبة منهما، كالحج والعمرة [ونحوهما] { واتقى } ما نهي عنه، من المحرمات والمعاصي، على اختلاف أجناسها. { وصدق بالحسنى } أي: صدق ب " لا إله إلا الله " وما دلت عليه، من جميع العقائد الدينية، وما ترتب عليها من الجزاء الأخروي. { فسنيسره لليسرى } أي: نسهل عليه أمره، ونجعله ميسرا له كل خير، ميسرا له ترك كل شر، لأنه أتى بأسباب التيسير، فيسر الله له ذلك. { وأما من بخل } بما أمر به، فترك الإنفاق الواجب والمستحب، ولم تسمح نفسه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا عبد ربه (1) بن سعيد، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل النار إلا شقي". قيل: ومن الشقي؟ قال: "الذي لا يعمل بطاعة، ولا يترك لله معصية" (2) . وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس وسريج قالا حدثنا فليح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى". قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى". ورواه البخاري عن محمد بن سنان، عن فليح، به (3) وقوله: {وسيجنبها الأتقى} أي: وسيزحزح عن النار التقي النقي الأتقى. ثم فسره بقوله: {الذي يؤتي ماله يتزكى} أي: يصرف ماله في طاعة ربه؛ ليزكي نفسه وماله وما وهبه الله من دين ودنيا. {وما لأحد عنده من نعمة تجزى} أي: ليس بذله حاله (4) في مكافأة من أسدى إليه معروفا، فهو يعطي في مقابلة ذلك، وإنما دفعه ذلك {ابتغاء وجه ربه الأعلى} أي: طمعا في أن يحصل له رؤيته في الدار الآخرة في روضات الجنات، قال الله تعالى: {ولسوف يرضى} أي: ولسوف يرضى من اتصف بهذه الصفات. وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك. ولا شك أنه داخل فيها، وأولى الأمة (5) بعمومها، فإن لفظها لفظ العموم، وهو قوله تعالى: {وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى} ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة؛ فإنه كان صديقا تقيا كريما جوادا بذالا لأمواله في طاعة مولاه، ونصرة رسول الله، فكم من دراهم (6) ودنانير (7) بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم، ولم يكن لأحد من الناس عنده منة يحتاج إلى أن يكافئه بها، ولكن كان فضله وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل؛ ولهذا قال …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٤٧٣) ↗التحرير والتنوير
به أن القصة مما تشمله الآية. وروي أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: «كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح» ولمح إليها بشار بن برد في قوله: إن النحيلة إذ يميل بها الهوى ... كالعذق مال على أبي الدحداح [12، 13] 13] إن علينا للهدى (12) وإن لنا للآخرة والأولى (13) استئناف مقرر لمضمون الكلام السابق من قوله: فأما من أعطى إلى قوله: للعسرى [الليل: 5- 10] ، وذلك لإلقاء التبعة على من صار إلى العسرى بأن الله أعذر إليه إذ هداه بدعوة الإسلام إلى الخير فأعرض عن الاهتداء باختياره اكتساب السيئات، فإن التيسير لليسرى يحصل عند ميل العبد إلى عمل الحسنات، والتيسير للعسرى يحصل عند ميله إلى عمل السيئات. وذلك الميل هو المعبر عنه بالكسب عند الأشعري، وسماه المعتزلة: قدرة العبد، وهو أيضا الذي اشتبه على الجبرية فسموه الجبر. وتأكيد الخبر ب إن ولام الابتداء يومىء إلى أن هذا كالجواب عما يجيش في نفوس أهل الضلال عند سماع الإنذار السابق من تكذيبه بأن الله لو شاء منهم ما دعاهم إليه لألجأهم إلى الإيمان. فقد حكي عنهم في الآية الأخرى: وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم [الزخرف: 20] . وحرف (على) إذا وقع بين اسم وما يدل على فعل يفيد معنى اللزوم، أي لازم لنا هدى الناس، وهذا التزام من الله اقتضاه فضله وحكمته فتولى إرشاد الناس إلى الخير قبل أن يؤاخذهم بسوء أعمالهم التي هي فساد فيما صنع الله من الأعيان والأنظمة التي أقام عليها فطرة نظام العالم، فهدى الله الإنسان بأن خلقه قابلا للتمييز بين الصلاح والفساد ثم عزز ذلك بأن أرسل إليه رسلا مبينين لما قد يخفى أمره من الأفعال أو يشتبه على الناس فساده بصلاحه ومنبهين الناس لما قد يغفلون عنه من سابق ما علموه. وعطف وإن لنا للآخرة والأولى على جملة: إن علينا للهدى تتميم وتنبيه على أن تعهد الله لعباده بالهدى فضل منه وإلا فإن الدار الآخرة ملكه
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٣٨٨) ↗