سورة الشمس · الآية ٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أقسم تعالى بهذه الآيات العظيمة، على النفس المفلحة، وغيرها من النفوس الفاجرة، فقال: { والشمس وضحاها } أي: نورها، ونفعها الصادر منها، { والقمر إذا تلاها } أي: تبعها في المنازل والنور، { والنهار إذا جلاها } أي: جلى ما على وجه الأرض وأوضحه، { والليل إذا يغشاها } أي: يغشى وجه الأرض، فيكون ما عليها مظلما. فتعاقب الظلمة والضياء، والشمس والقمر، على هذا العالم، بانتظام وإتقان، وقيام لمصالح العباد، أكبر دليل على أن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه المعبود وحده، الذي كل معبود سواه فباطل. { والسمآء وما بناها } يحتمل أن " ما " موصولة، فيكون الإقسام بالسماء وبانيها، الذي هو الله تبارك وتعالى، ويحتمل أنها مصدرية، فيكون الإقسام بالسماء وبنيانها، الذي هو غاية ما يقدر من الإحكام والإتقان والإحسان، ونحو ذلك قوله: { والأرض وما طحاها } أي: مدها ووسعها، فتمكن الخلق حينئذ من الانتفاع بها، بجميع وجوه الانتفاع. { ونفس وما سواها } يحتمل أن المراد نفس سائر المخلوقات الحيوانية، كما يؤيد هذا العموم، ويحتمل أن المراد بالإقسام بنفس الإنسان المكلف، بدليل ما يأتي بعده. وعلى كل، فالنفس آية كبيرة من آياته التي حقيقة بالإقسام بها، فإنها في غاية اللطف والخفة، سريعة التنقل [والحركة] والتغير والتأثر والانفعالات النفسية، من الهم، والإرادة، والقصد، والحب، والبغض، وهي التي لولاها لكان البدن مجرد تمثال لا فائدة فيه، وتسويتها على هذا الوجه آية من آيات الله العظيمة. وقوله: { قد أفلح من زكاها } أي: طهر نفسه من الذنوب، ونقاها من العيوب، ورقاها بطاعة الله، وعلاها بالعلم النافع والعمل الصالح. { وقد خاب من دساها } أي: أخفى نفسه الكريمة، التي ليست حقيقة بقمعها وإخفائها، بالتدنس بالرذائل، والدنو من العيوب والاقتراف للذنوب، وترك ما يكملها وينميها، واستعمال ما يشينها ويدسيها. { كذبت ثمود بطغواهآ } أي: بسبب طغيانها …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… {ونفس وما سواها} أي: خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة، كما قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ ". أخرجاه من رواية أبي هريرة (2) وفي صحيح مسلم من رواية عياض بن حمار المجاشعي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم" (3) . وقوله: {فألهمها فجورها وتقواها} أي: فأرشدها إلى فجورها وتقواها، أي: بين لها ذلك، وهداها إلى ما قدر لها. قال ابن عباس: {فألهمها فجورها وتقواها} بين لها الخير والشر. وكذا قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، والثوري.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٤١١) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٤٣٤) ↗التحرير والتنوير
وتسوية النفس: خلقها سواء، أي غير متفاوتة الخلق، وتقدم في سورة الانفطار [7] عند قوله تعالى: الذي خلقك فسواك وما في المواضع الثلاثة من قوله: وما بناها، أو ما طحاها، وما سواها، إما مصدرية يؤول الفعل بعدها بمصدر فالقسم بأمور من آثار قدرة الله تعالى وهي صفات الفعل الإلهية وهي رفعه السماء وطحوه الأرض وتسويته الإنسان. وعطف فألهمها فجورها وتقواها على سواها، فهو مقسم به، وفعل «ألهمها» في تأويل مصدر لأنه معطوف على صلة ما المصدرية، وعطف بالفاء لأن الإلهام ناشىء عن التسوية، فضمير الرفع في «ألهمها» عائد إلى التسوية وهي المصدر المأخوذ من سواها ويجوز أن تكون ما موصولة صادقة على فعل الله تعالى، وجملة بناها صلة الموصول، أي والبناء الذي بنى السماء، والطحو الذي طحا الأرض والتسوية التي سوت النفس. فالتسوية حاصلة من وقت تمام خلقة الجنين من أول أطوار الصبا إذ التسوية تعديل الخلقة وإيجاد القوى الجسدية والعقلية ثم تزداد كيفية القوى فيحصل الإلهام والإلهام: مصدر ألهم، وهو فعل متعد بالهمزة ولكن المجرد منه ممات والإلهام اسم قليل الورود في كلام العرب ولم يذكر أهل اللغة شاهدا له من كلام العرب. ويطلق الإلهام إطلاقا خاصا على حدوث علم في النفس بدون تعليم ولا تجربة ولا تفكير فهو علم يحصل من غير دليل سواء ما كان منه وجدانيا كالانسياق إلى المعلومات الضرورية والوجدانية، وما كان منه عن دليل كالتجربيات والأمور الفكرية والنظرية. وإيثار هذا الفعل هنا ليشمل جميع علوم الإنسان، قال الراغب: الإلهام: إيقاع الشيء في الروع ويختص ذلك بما كان من جهة الله تعالى وجهة الملأ الأعلى اه. ولذلك فهذا اللفظ إن لم يكن من مبتكرات القرآن يكن مما أحياه القرآن لأنه اسم دقيق الدلالة على المعاني النفسية وقليل رواج أمثال ذلك في اللغة
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٣٦٩) ↗