سورة الشمس · الآية ٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أقسم تعالى بهذه الآيات العظيمة، على النفس المفلحة، وغيرها من النفوس الفاجرة، فقال: { والشمس وضحاها } أي: نورها، ونفعها الصادر منها، { والقمر إذا تلاها } أي: تبعها في المنازل والنور، { والنهار إذا جلاها } أي: جلى ما على وجه الأرض وأوضحه، { والليل إذا يغشاها } أي: يغشى وجه الأرض، فيكون ما عليها مظلما. فتعاقب الظلمة والضياء، والشمس والقمر، على هذا العالم، بانتظام وإتقان، وقيام لمصالح العباد، أكبر دليل على أن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه المعبود وحده، الذي كل معبود سواه فباطل. { والسمآء وما بناها } يحتمل أن " ما " موصولة، فيكون الإقسام بالسماء وبانيها، الذي هو الله تبارك وتعالى، ويحتمل أنها مصدرية، فيكون الإقسام بالسماء وبنيانها، الذي هو غاية ما يقدر من الإحكام والإتقان والإحسان، ونحو ذلك قوله: { والأرض وما طحاها } أي: مدها ووسعها، فتمكن الخلق حينئذ من الانتفاع بها، بجميع وجوه الانتفاع. { ونفس وما سواها } يحتمل أن المراد نفس سائر المخلوقات الحيوانية، كما يؤيد هذا العموم، ويحتمل أن المراد بالإقسام بنفس الإنسان المكلف، بدليل ما يأتي بعده. وعلى كل، فالنفس آية كبيرة من آياته التي حقيقة بالإقسام بها، فإنها في غاية اللطف والخفة، سريعة التنقل [والحركة] والتغير والتأثر والانفعالات النفسية، من الهم، والإرادة، والقصد، والحب، والبغض، وهي التي لولاها لكان البدن مجرد تمثال لا فائدة فيه، وتسويتها على هذا الوجه آية من آيات الله العظيمة. وقوله: { قد أفلح من زكاها } أي: طهر نفسه من الذنوب، ونقاها من العيوب، ورقاها بطاعة الله، وعلاها بالعلم النافع والعمل الصالح. { وقد خاب من دساها } أي: أخفى نفسه الكريمة، التي ليست حقيقة بقمعها وإخفائها، بالتدنس بالرذائل، والدنو من العيوب والاقتراف للذنوب، وترك ما يكملها وينميها، واستعمال ما يشينها ويدسيها. { كذبت ثمود بطغواهآ } أي: بسبب طغيانها …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وأما ابن جرير فاختار عود الضمير في ذلك كله على الشمس، لجريان ذكرها. وقالوا في قوله: {والليل إذا يغشاها} يعني: إذا يغشى الشمس حين تغيب، فتظلم الآفاق. وقال بقية بن الوليد، عن صفوان، حدثني يزيد بن ذي حمامة (1) قال: إذا جاء الليل قال الرب جل جلاله: غشي عبادي خلقي العظيم، فالليل يهابه، والذي خلقه أحق أن يهاب. رواه ابن أبي حاتم. وقوله: {والسماء وما بناها} يحتمل أن تكون "ما" هاهنا مصدرية، بمعنى: والسماء وبنائها. وهو قول قتادة، ويحتمل أن تكون بمعنى "من" يعني: والسماء وبانيها. وهو قول مجاهد، وكلاهما متلازم، والبناء هو الرفع، كقوله: {والسماء بنيناها بأيد} أي: بقوة {وإنا لموسعون والأرض فرشناها فنعم الماهدون} [الذاريات: 47، 48] . وهكذا قوله: {والأرض وما طحاها} قال مجاهد: {طحاها} دحاها. وقال العوفي، عن ابن عباس: {وما طحاها} أي: خلق فيها. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {طحاها} قسمها. وقال مجاهد، وقتادة والضحاك، والسدي، والثوري، وأبو صالح، وابن زيد: {طحاها} بسطها. وهذا أشهر الأقوال، وعليه الأكثر من المفسرين، وهو المعروف عند أهل اللغة، قال الجوهري: طحوته مثل دحوته، أي: بسطته. وقوله: {ونفس وما سواها} أي: خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة، كما قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ ". أخرجاه من رواية أبي هريرة (2) وفي صحيح مسلم من رواية عياض بن حمار المجاشعي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم" (3) . وقوله: {فألهمها فجورها وتقواها} أي: فأرشدها إلى فجورها وتقواها، أي: بين لها ذلك، وهداها إلى ما قدر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٤٣٤) ↗التحرير والتنوير
أعظم النيرات التي يصل نور شديد منها للأرض، ولما في حالها وحال أضوائها من الإيماء إلى أنها مثل لظهور الإيمان بعد الكفر وبث التقوى بعد الفجور فإن الكفر والمعاصي تمثل بالظلمة والإيمان والطاعات تمثل بالضياء قال تعالى: ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه [المائدة: 16] . وأعقب القسم بالنهار بالقسم بالليل لأن الليل مقابل وقت النهار فهو وقت الإظلام. والغشي: التغطية وليس الليل بمغط للشمس على الحقيقة ولكنه مسبب عن غشي نصف الكرة الأرضية لقرص الشمس ابتداء من وقت الغروب وهو زمن لذلك الغشي. فإسناد الغشي إلى الليل مجاز عقلي من إسناد الفعل إلى زمنه أو إلى مسببه (بفتح الباء) . والغاشي في الحقيقة هو تكوير الأرض ودورانها تجاه مظهر الشمس وهي الدورة اليومية، وقيل: ضمير المؤنث في يغشاها عائد إلى الأرض على نحو ما قيل في والنهار إذا جلاها وإذا في قوله: إذا تلاها وقوله: إذا جلاها وقوله: إذا يغشاها في محل نصب على الظرفية متعلقة بكون هو حال من القمر ومن النهار ومن الليل فهو ظرف مستقر، أي مقسما بكل واحد من هذه الثلاثة في الحالة الدالة على أعظم أحواله وأشدها دلالة على عظيم صنع الله تعالى. وبناء السماء تشبيه لرفعها فوق الأرض بالبناء. والسماء آفاق الكواكب قال تعالى: لقد خلقنا فوقكم سبع طرائق [المؤمنون: 17] وتقييد القسم بالليل بوقت تغشيته تذكيرا بالعبرة بحدوث حالة الظلمة بعد حالة النور. وطحو الأرض: بسطها وتوطئتها للسير والجلوس والاضطجاع، يقال: طحا يطحو ويطحي طحوا وطحيا وهو مرادف «دحا» في سورة النازعات [30] . و «النفس» : ذات الإنسان كما تقدم عند قوله تعالى: يا أيتها النفس المطمئنة [الفجر: 27] وتنكير «نفس» للنوعية أي جنس النفس فيعم كل نفس عموما بالقرينة على نحو قوله تعالى: علمت نفس ما قدمت وأخرت [الانفطار: 5] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٣٦٨) ↗