سورة البلد · الآية ٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقسم تعالى { بهذا البلد } الأمين، الذي هو مكة المكرمة، أفضل البلدان على الإطلاق، خصوصا وقت حلول الرسول صلى الله عليه وسلم فيها، { ووالد وما ولد } أي: آدم وذريته. والمقسم عليه قوله: { لقد خلقنا الإنسان في كبد } يحتمل أن المراد بذلك ما يكابده ويقاسيه من الشدائد في الدنيا، وفي البرزخ، ويوم يقوم الأشهاد، وأنه ينبغي له أن يسعى في عمل يريحه من هذه الشدائد، ويوجب له الفرح والسرور الدائم. وإن لم يفعل، فإنه لا يزال يكابد العذاب الشديد أبد الآباد. ويحتمل أن المعنى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، وأقوم خلقة، مقدر على التصرف والأعمال الشديدة، ومع ذلك، [فإنه] لم يشكر الله على هذه النعمة [العظيمة]، بل بطر بالعافية وتجبر على خالقه، فحسب بجهله وظلمه أن هذه الحال ستدوم له، وأن سلطان تصرفه لا ينعزل، ولهذا قال تعالى: { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } ويطغى ويفتخر بما أنفق من الأموال على شهوات نفسه. ف { يقول أهلكت مالا لبدا } أي: كثيرا، بعضه فوق بعض. وسمى الله تعالى الإنفاق في الشهوات والمعاصي إهلاكا، لأنه لا ينتفع المنفق بما أنفق، ولا يعود عليه من إنفاقه إلا الندم والخسار والتعب والقلة، لا كمن أنفق في مرضاة الله في سبيل الخير، فإن هذا قد تاجر مع الله، وربح أضعاف أضعاف ما أنفق. قال الله متوعدا هذا الذي يفتخر بما أنفق في الشهوات: { أيحسب أن لم يره أحد } أي: أيحسب في فعله هذا، أن الله لا يراه ويحاسبه على الصغير والكبير؟ بل قد رآه الله، وحفظ عليه أعماله، ووكل به الكرام الكاتبين، لكل ما عمله من خير وشر. ثم قرره بنعمه، فقال: { ألم نجعل له عينين * ولسانا وشفتين } للجمال والبصر والنطق، وغير ذلك من المنافع الضرورية فيها، فهذه نعم الدنيا، ثم قال في نعم الدين: { وهديناه النجدين } أي: طريقي الخير والشر، بينا له الهدى من الضلال، والرشد من الغي. فهذه المنن الجزيلة، تقتضي من العبد أن يقوم بحقوق الله، ويشكر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ورواه [ابن جرير و] (1) ابن أبي حاتم، من حديث شريك -وهو ابن عبد الله القاضي-به. وقال عكرمة: الوالد: العاقر، وما ولد: الذي يلد. رواه ابن أبي حاتم. وقال مجاهد، وأبو صالح، وقتادة، والضحاك، وسفيان الثوري، وسعيد بن جبير، والسدي، والحسن البصري، وخصيف، وشرحبيل بن سعد وغيرهم: يعني بالوالد آدم، وما ولد ولده. وهذا الذي ذهب إليه مجاهد وأصحابه حسن قوي؛ لأنه تعالى لما أقسم بأم القرى وهي المساكن أقسم بعده بالساكن، وهو آدم أبو البشر وولده. وقال أبو عمران الجوني: هو إبراهيم وذريته. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. واختار ابن جرير أنه عام في كل والد وولده. وهو محتمل أيضا. وقوله: {لقد خلقنا الإنسان في كبد} روي عن ابن مسعود، وابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وخيثمة، والضحاك، وغيرهم: يعني منتصبا -زاد ابن عباس في رواية عنه-في (2) بطن أمه. والكبد: الاستواء والاستقامة. ومعنى هذا القول: لقد خلقنا الإنسان سويا مستقيما كقوله: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك} [الانفطار: 6، 7] ، وكقوله {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} [التين:4] . وقال ابن [أبي نجيح] (3) جريج وعطاء (4) عن ابن عباس: في كبد، قال: في شدة خلق، ألم تر إليه ... وذكر مولده ونبات أسنانه. قال مجاهد: {في كبد} نطفة، ثم علقة، ثم مضغة يتكبد في الخلق -قال مجاهد: وهو كقوله: {حملته أمه كرها ووضعته كرها} وأرضعته كرها، ومعيشته كره، فهو يكابد ذلك. وقال سعيد بن جبير: {لقد خلقنا الإنسان في كبد} في شدة وطلب معيشة. وقال عكرمة: في شدة وطول. وقال قتادة: في مشقة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو عاصم، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، سمعت محمد بن علي أبا جعفر الباقر سأل رجلا من الأنصار عن قول الله: {لقد خلقنا الإنسان في كبد} قال: في قيامه واعتداله. فلم ينكر عليه أبو جعفر. وروى من طريق أبي مودود: سمعت الحسن قرأ هذه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين} [البلد: 9] : نعم من الله متظاهرة، يقررك بها كيما تشكره
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٤١٥) ↗التحرير والتنوير
وإذا سكرت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي وجملة: يقول أهلكت مالا في موضع الحال من الإنسان [البلد: 4] وذلك من الكبد. وجملة: أيحسب أن لم يره أحد بدل اشتمال من جملة يقول أهلكت مالا لأن قوله أهلكت مالا لبدا يصدر منه وهو يحسب أنه راج كذبه، على جميع الناس وهو لا يخلو من ناس يطلعون على كذبه قال زهير: ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم والاستفهام إنكار وتوبيخ وهو كناية عن علم الله تعالى بدخيلته وأن افتخاره بالكرم باطل. ولبدا بضم اللام وفتح الموحدة في قراءة الجمهور وهو جمع لبدة بضم اللام وهي ما تلبد من صوف أو شعر، أي تجمع والتصق بعضه ببعض وقرأه أبو جعفر لبدا بضم اللام وتشديد الباء على أنه جمع لا بد بمعنى مجتمع بعضه إلى بعض مثل: صيم وقوم، أو على أنه اسم على زنة فعل مثل زمل للجبان وجبإ للضعيف. [8- 10] 10] ألم نجعل له عينين (8) ولسانا وشفتين (9) وهديناه النجدين (10) تعليل للإنكار والتوبيخ في قوله: أيحسب أن لن يقدر عليه أحد [البلد: 5] أو قوله: أيحسب أن لم يره أحد [البلد: 7] أي هو غافل عن قدرة الله تعالى وعن علمه المحيط بجميع الكائنات الدال عليهما أنه خلق مشاعر الإدراك التي منها العينان، وخلق آلات الإبانة وهي اللسان والشفتان، فكيف يكون مفيض العلم على الناس غير قادر وغير عالم بأحوالهم قال تعالى: ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير [الملك: 14] . والاستفهام يجوز أن يكون تقريريا وأن يكون إنكاريا.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٣٥٣) ↗