سورة البلد · الآية ١١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقسم تعالى { بهذا البلد } الأمين، الذي هو مكة المكرمة، أفضل البلدان على الإطلاق، خصوصا وقت حلول الرسول صلى الله عليه وسلم فيها، { ووالد وما ولد } أي: آدم وذريته. والمقسم عليه قوله: { لقد خلقنا الإنسان في كبد } يحتمل أن المراد بذلك ما يكابده ويقاسيه من الشدائد في الدنيا، وفي البرزخ، ويوم يقوم الأشهاد، وأنه ينبغي له أن يسعى في عمل يريحه من هذه الشدائد، ويوجب له الفرح والسرور الدائم. وإن لم يفعل، فإنه لا يزال يكابد العذاب الشديد أبد الآباد. ويحتمل أن المعنى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، وأقوم خلقة، مقدر على التصرف والأعمال الشديدة، ومع ذلك، [فإنه] لم يشكر الله على هذه النعمة [العظيمة]، بل بطر بالعافية وتجبر على خالقه، فحسب بجهله وظلمه أن هذه الحال ستدوم له، وأن سلطان تصرفه لا ينعزل، ولهذا قال تعالى: { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } ويطغى ويفتخر بما أنفق من الأموال على شهوات نفسه. ف { يقول أهلكت مالا لبدا } أي: كثيرا، بعضه فوق بعض. وسمى الله تعالى الإنفاق في الشهوات والمعاصي إهلاكا، لأنه لا ينتفع المنفق بما أنفق، ولا يعود عليه من إنفاقه إلا الندم والخسار والتعب والقلة، لا كمن أنفق في مرضاة الله في سبيل الخير، فإن هذا قد تاجر مع الله، وربح أضعاف أضعاف ما أنفق. قال الله متوعدا هذا الذي يفتخر بما أنفق في الشهوات: { أيحسب أن لم يره أحد } أي: أيحسب في فعله هذا، أن الله لا يراه ويحاسبه على الصغير والكبير؟ بل قد رآه الله، وحفظ عليه أعماله، ووكل به الكرام الكاتبين، لكل ما عمله من خير وشر. ثم قرره بنعمه، فقال: { ألم نجعل له عينين * ولسانا وشفتين } للجمال والبصر والنطق، وغير ذلك من المنافع الضرورية فيها، فهذه نعم الدنيا، ثم قال في نعم الدين: { وهديناه النجدين } أي: طريقي الخير والشر، بينا له الهدى من الضلال، والرشد من الغي. فهذه المنن الجزيلة، تقتضي من العبد أن يقوم بحقوق الله، ويشكر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال ابن زيد: {اقتحم العقبة} أي: أفلا سلك الطريق التي فيها النجاة والخير. ثم بينها فقال: {وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام} قرئ: {فك رقبة} بالإضافة، وقرئ على أنه فعل، وفيه ضمير الفاعل والرقبة مفعوله وكلتا (1) القراءتين معناهما متقارب. قال الإمام أحمد: حدثنا علي (2) بن إبراهيم، حدثنا عبد الله -يعني ابن سعيد (3) بن أبي هند-عن إسماعيل بن أبي حكيم -مولى آل الزبير-عن سعيد بن مرجانة: أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب منها إربا منه من النار، حتى إنه ليعتق باليد اليد، وبالرجل الرجل، وبالفرج الفرج". فقال علي بن الحسين: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ فقال سعيد: نعم. فقال علي بن الحسين لغلام له -أفره غلمانه-: ادع مطرفا. فلما قام بين يديه قال: اذهب فأنت حر لوجه الله. وقد رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، من طرق، عن سعيد بن مرجانة، به (4) وعند مسلم أن هذا الغلام الذي أعتقه علي بن الحسين زين العابدين كان قد أعطي فيه عشرة آلاف درهم. وقال قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي نجيح (5) قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أيما مسلم أعتق رجلا مسلما، فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامه عظما من عظام محرره من النار، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة، فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامها عظما من عظامها من النار". رواه ابن جرير هكذا (6) وأبو نجيح هذا هو عمرو بن عبسة السلمي، رضي الله عنه. قال الإمام أحمد: حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا بقية، حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة، عن عمرو بن عبسة (7) أنه حدثهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من بنى مسجدا ليذكر الله فيه، بنى الله له بيتا في الجنة. ومن أعتق نفسا مسلمة، كانت فديته من جهنم. ومن شاب شيبة في الإسلام، كانت له نورا يوم القيامة" (8) …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين} [البلد: 9] : نعم من الله متظاهرة، يقررك بها كيما تشكره
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٤١٥) ↗التحرير والتنوير
وقد استعيرت الهداية هنا للإلهام الذي جعله الله في الإنسان يدرك به الضار والنافع وهو أصل التمدن الإنساني وأصل العلوم والهداية بدين الإسلام إلى ما فيه الفوز. واستعير النجدان للخير والشر، وجعلا نجدين لصعوبة اتباع أحدهما وهو الخير فغلب على الطريقين، أو لأن كل واحد صعب باعتبار، فطريق الخير صعوبته في سلوكه، وطريق الشر صعوبته في عواقبه، ولذلك عبر عنه بعد هذا ب العقبة [البلد: 11] . ويتضمن ذلك تشبيه إعمال الفكر لنوال المطلوب بالسير في الطريق الموصل إلى المكان المرغوب كما قال تعالى: إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا [الإنسان: 3] وتشبيه الإقبال على تلقي دعوة الإسلام إذ شقت على نفوسهم كذلك. وأدمج في هذا الاستدلال امتنان على الإنسان بما وهبه من وسائل العيش المستقيم. ويجوز أن تكون الهداية هداية العقل للتفكير في دلائل وجود الله ووحدانيته بحيث لو تأمل لعرف وحدانية الله تعالى فيكون هذا دليلا على سبب مؤاخذة أهل الشرك والتعطيل بكفرهم في أزمان الخلو عن إرسال الرسل على أحد القولين في ذلك بين الأشاعرة من جهة، وبين الماتريدية والمعتزلة من جهة أخرى. [11- 17] 17] فلا اقتحم العقبة (11) وما أدراك ما العقبة (12) فك رقبة (13) أو إطعام في يوم ذي مسغبة (14) يتيما ذا مقربة (15) أو مسكينا ذا متربة (16) ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة (17) يجوز أن يكون فلا اقتحم العقبة تفريع إدماج بمناسبة قوله: وهديناه النجدين [البلد: 10] أي هديناه الطريقين فلم يسلك النجد الموصل إلى الخير. ويجوز أن يكون تفريعا على جملة يقول أهلكت مالا لبدا [البلد: 6] وما بينهما اعتراضا، وتكون «لا اقتحم العقبة» استفهاما حذف منه أداته. وهو استفهام إنكار، والمعنى: أنه يدعي إهلاك مال كثير في الفساد من ميسر وخمر ونحو ذلك
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٣٥٥) ↗