البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة التوبة · الآية ٩٨

﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى: { الأعراب } وهم سكان البادية والبراري { أشد كفرا ونفاقا } من الحاضرة الذين فيهم كفر ونفاق، وذلك لأسباب كثيرة: منها: أنهم بعيدون عن معرفة الشرائع الدينية والأعمال والأحكام، فهم أحرى { وأجدر ألا يعلموا حدود مآ أنزل الله على رسوله } من أصول الإيمان وأحكام الأوامر والنواهي، بخلاف الحاضرة، فإنهم أقرب لأن يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، فيحدث لهم -بسبب هذا العلم- تصورات حسنة، وإرادات للخير، الذي يعلمون، ما لا يكون في البادية. وفيهم من لطافة الطبع والانقياد للداعي ما ليس في البادية، ويجالسون أهل الإيمان، ويخالطونهم أكثر من أهل البادية، فلذلك كانوا أحرى للخير من أهل البادية، وإن كان في البادية والحاضرة، كفار ومنافقون، ففي البادية أشد وأغلظ مما في الحاضرة. ومن ذلك أن الأعراب أحرص على الأموال، وأشح فيها. فمنهم { من يتخذ ما ينفق } من الزكاة والنفقة في سبيل الله وغير ذلك، { مغرما } أي: يراها خسارة ونقصا، لا يحتسب فيها، ولا يريد بها وجه الله، ولا يكاد يؤديها إلا كرها. { ويتربص بكم الدوائر } أي: من عداوتهم للمؤمنين وبغضهم لهم، أنهم يودون وينتظرون فيهم دوائر الدهر، وفجائع الزمان، وهذا سينعكس عليهم، فعليهم دائرة السوء. وأما المؤمنون فلهم الدائرة الحسنة على أعدائهم، ولهم العقبى الحسنة، { والله سميع عليم } يعلم نيات العباد، وما صدرت عنه الأعمال من إخلاص وغيره. وليس الأعراب كلهم مذمومين، بل منهم { من يؤمن بالله واليوم الآخر } فيسلم بذلك من الكفر والنفاق ويعمل بمقتضى الإيمان. { ويتخذ ما ينفق قربات عند الله } أي: يحتسب نفقته، ويقصد بها وجه الله تعالى والقرب منه { و } يجعلها وسيلة ل { صلوات الرسول } أي: دعائه لهم، وتبريكه عليهم، قال تعالى مبينا لنفع صلوات الرسول: { ألا إنها قربة لهم } تقربهم إلى الله، وتنمي أموالهم وتحل فيها البركة. { سيدخلهم الله في رحمته } في جملة عباده …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

بن منبه، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن". ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي من طرق، عن سفيان الثوري، به (1) وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث الثوري. ولما كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي لم يبعث الله منهم رسولا وإنما كانت البعثة من أهل القرى، كما قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} [يوسف:109] ولما أهدى ذلك الأعرابي تلك الهدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرد عليه أضعافها حتى رضي، قال: "لقد هممت ألا أقبل هدية إلا من قرشي، أو ثقفي أو أنصاري، أو دوسي" (2) ؛ لأن هؤلاء كانوا يسكنون المدن: مكة، والطائف، والمدينة، واليمن، فهم ألطف أخلاقا من الأعراب: لما في طباع الأعراب من الجفاء. حديث [الأعرابي] (3) في تقبيل الولد: قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا أبو أسامة وابن نمير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ قالوا: نعم. قالوا: ولكنا والله ما نقبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأملك أن كان الله نزع منكم الرحمة؟ ". وقال ابن نمير: "من قلبك الرحمة" (4) وقوله: {والله عليم حكيم} أي: عليم بمن يستحق أن يعلمه الإيمان والعلم، {حكيم} فيما قسم بين عباده من العلم والجهل والإيمان والكفر والنفاق، لا يسأل عما يفعل، لعلمه وحكمته. وأخبر تعالى أن منهم {من يتخذ ما ينفق} أي: في سبيل الله {مغرما} أي: غرامة وخسارة، {ويتربص بكم الدوائر} أي: ينتظر بكم (5) الحوادث والآفات، {عليهم دائرة السوء} أي: هي منعكسة عليهم والسوء دائر عليهم، {والله سميع عليم} أي: سميع لدعاء عباده، عليم بمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان. وقوله: {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

لا يرجو له ثوابا ولا يدفع به عن نفسه عقابا. {ويتربص بكم الدوائر} [التوبة: 98] يقول: وينتظرون بكم الدوائر أن تدور بها الأيام والليالي إلى مكروه ونفي محبوب، وغلبة عدو لكم. يقول الله تعالى ذكره: {عليهم دائرة السوء} [التوبة: 98] يقول: جعل الله دائرة السوء عليهم، ونزول المكروه بهم لا عليكم أيها المؤمنون، ولا بكم، والله سميع لدعاء الداعين عليم بتدبيرهم وما هو بهم نازل من عقاب الله وما هم إليه صائرون من أليم عقابه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: " {ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر} [التوبة: 98] قال: هؤلاء المنافقون PageEndV11P634 من الأعراب الذين إنما ينفقون رياء اتقاء أن يغزوا، أو يحاربوا، أو يقاتلوا، ويرون نفقتهم مغرما، ألا تراه يقول: {ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء} [التوبة: 98] " واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأ عامة أهل المدينة والكوفة: " {عليهم دائرة السوء} [التوبة: 98] " بفتح السين، بمعنى النعت للدائرة، وإن كانت الدائرة مضافة إليه، كقولهم: هو رجل السوء، وامرؤ الصدق، كأنه إذا فتح مصدر من قولهم: سؤته أسوءه سوءا ومساءة ومسائية. وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز وبعض البصريين: «عليهم دائرة السوء» بضم السين كأنه جعله اسما، كما يقال عليه دائرة البلاء والعذاب. ومن قال: «عليهم دائرة السوء» فضم، لم يقل هذا رجل السوء بالضم، والرجل السوء، وقال الشاعر: [البحر الطويل] وكنت كذئب السوء لما رأى دما %~% بصاحبه يوما أحال على الدم والصواب من القراءة في ذلك عندنا بفتح السين، بمعنى: عليهم الدائرة التي تسوءهم سوءا كما يقال هو رجل صدق على وجه النعت

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٦٣٣) ↗

التحرير والتنوير

وجملة: والله عليم حكيم تذييل لهذا الإفصاح عن دخيلة الأعراب وخلقهم، أي عليم بهم وبغيرهم، وحكيم في تمييز مراتبهم. [98] 98] ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم (98) هذا فريق من الأعراب يظهر الإيمان وينفق في سبيل الله. وإنما يفعلون ذلك تقية وخوفا من الغزو أو حبا للمحمدة وسلوكا في مسلك الجماعة، وهم يبطنون الكفر وينتظرون الفرصة التي تمكنهم من الانقلاب على أعقابهم. وهؤلاء وإن كانوا من جملة منافقي الأعراب فتخصيصهم بالتقسيم هنا منظور فيه إلى ما اختصوا به من أحوال النفاق، لأن التقاسيم في المقامات الخطابية والمجادلات تعتمد اختلافا ما في أحوال المقسم، ولا يعبأ فيها بدخول القسم في قسيمه. فقوله: ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما هو في التقسيم كقوله: ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر [التوبة: 99] . ومعنى يتخذ يعد ويجعل، لأن اتخذ من أخوات جعل. والجعل يطلق بمعنى التغيير من حالة إلى حالة نحو جعلت الشقة بردا. ويطلق بمعنى العد والحسبان نحو وقد جعلتم الله عليكم كفيلا [النحل: 91] فكذلك يتخذ هنا. والمغرم: ما يدفع من المال قهرا وظلما، فهؤلاء الأعراب يؤتون الزكاة وينفقون في سبيل الله ويعدون ذلك كالأوتاوات المالية والرزايا يدفعونها تقية. ومن هؤلاء من امتنعوا من إعطاء الزكاة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال قائلهم من طيء في زمن أبي بكر لما جاءهم الساعي لإحصاء زكاة الأنعام: فقولا لهذا المرء ذو جاء ساعيا ... هلم فإن المشرفي الفرائض أي فرائض الزكاة هي السيف، أي يعطون الساعي ضرب السيف بدلا عن الزكاة. والتربص: الانتظار. والدوائر: جمع دائرة وهي تغير الحالة من استقامة إلى اختلال. وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة في سورة العقود

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/١٣) ↗