البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة التوبة · الآية ٩٦

﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ۖ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

لما ذكر تخلف المنافقين الأغنياء، وأنهم لا عذر لهم، أخبر أنهم س { يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم } من غزاتكم. { قل } لهم { لا تعتذروا لن نؤمن لكم } أي: لن نصدقكم في اعتذاركم الكاذب. { قد نبأنا الله من أخباركم } وهو الصادق في قيله، فلم يبق للاعتذار فائدة، لأنهم يعتذرون بخلاف ما أخبر الله عنهم، ومحال أن يكونوا صادقين فيما يخالف خبر الله الذي هو أعلى مراتب الصدق. { وسيرى الله عملكم ورسوله } في الدنيا، لأن العمل هو ميزان الصدق من الكذب، وأما مجرد الأقوال، فلا دلالة فيها على شيء من ذلك. { ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة } الذي لا تخفى عليه خافية، { فينبئكم بما كنتم تعملون } من خير وشر، ويجازيكم بعدله أو بفضله، من غير أن يظلمكم مثقال ذرة. وأعلم أن المسيء المذنب له ثلاث حالات: إما [أن] يقبل قوله وعذره، ظاهرا وباطنا، ويعفى عنه بحيث يبقى كأنه لم يذنب. فهذه الحالة هي المذكورة هنا في حق المنافقين، أن عذرهم غير مقبول، وأنه قد تقررت أحوالهم الخبيثة وأعمالهم السيئة، وإما أن يعاقبوا بالعقوبة والتعزير الفعلي على ذنبهم، وإما أن يعرض عنهم، ولا يقابلوا بما فعلوا بالعقوبة الفعلية، وهذه الحال الثالثة هي التي أمر الله بها في حق المنافقين، ولهذا قال: { سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم } أي: لا توبخوهم، ولا تجلدوهم أو تقتلوهم. { إنهم رجس } أي: إنهم قذر خبثاء، ليسوا بأهل لأن يبالى بهم، وليس التوبيخ والعقوبة مفيدا فيهم، { و } تكفيهم عقوبة جهنم جزاء بما كانوا يكسبون. وقوله: { يحلفون لكم لترضوا عنهم } أي: ولهم أيضا هذا المقصد الآخر منكم، غير مجرد الإعراض، بل يحبون أن ترضوا عنهم، كأنهم ما فعلوا شيئا. { فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين } أي: فلا ينبغي لكم -أيها المؤمنون- أن ترضوا عن من لم يرض الله عنه، بل عليكم أن توافقوا ربكم في رضاه وغضبه. وتأمل كيف قال: { …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

أخبر تعالى عن المنافقين بأنهم إذا رجعوا إلى المدينة أنهم يعتذرون إليهم، {قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم} أي: لن نصدقكم، {قد نبأنا الله من أخباركم} أي: قد أعلمنا الله أحوالكم، {وسيرى الله عملكم ورسوله} أي: سيظهر أعمالكم للناس في الدنيا، {ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} (1) أي: فيخبركم بأعمالكم، خيرها وشرها، ويجزيكم عليها. ثم أخبر عنهم أنهم سيحلفون معتذرين لتعرضوا عنهم فلا تؤنبوهم، {فأعرضوا عنهم} احتقارا لهم، {إنهم رجس} أي: خبثاء نجس بواطنهم واعتقاداتهم، {ومأواهم} في آخرتهم {جهنم} {جزاء بما كانوا يكسبون} أي: من الآثام والخطايا. وأخبر أنهم وإن رضوا عنهم بحلفهم (2) لهم، {فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} أي: الخارجين عن طاعته وطاعة رسوله، فإن الفسق هو الخروج، ومنه سميت الفأرة "فويسقة" لخروجها من جحرها للإفساد، ويقال: "فسقت الرطبة": إذا خرجت من أكمامها (3) أخبر تعالى أن في الأعراب كفارا ومنافقين ومؤمنين، وأن كفرهم ونفاقهم أعظم من غيرهم وأشد، وأجدر، أي: أحرى ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، كما قال الأعمش عن إبراهيم قال: جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو يحدث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوند، فقال الأعرابي: والله إن حديثك ليعجبني، وإن يدك لتريبني فقال زيد: ما يريبك من يدي؟ إنها الشمال. فقال الأعرابي: والله ما أدري، اليمين يقطعون أو الشمال؟ فقال زيد بن صوحان (4) صدق الله: {الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن أبي موسى، عن وهب

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٢٠١) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

فإن أنتم أيها المؤمنون رضيتم عنهم وقبلتم معذرتهم، إذا كنتم لا تعلمون صدقهم من كذبهم، فإن رضاكم عنهم غير نافعهم عند الله؛ لأن الله يعلم من سرائر أمرهم ما لا تعلمون، ومن خفي اعتقادهم ما تجهلون، وأنهم على الكفر بالله، يعني أنهم الخارجون من الإيمان إلى الكفر بالله ومن الطاعة إلى المعصية

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٦٣١) ↗

التحرير والتنوير

والرجس: الخبث. والمراد تشبيههم بالرجس في الدناءة ودنس النفوس. فهو رجس معنوي. كقوله: إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان [المائدة: 90] . والمأوى: المصير والمرجع. وجزاء حال من جهنم، أي مجازاة لهم على ما كانوا يعملون. [96] 96] يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين (96) هذه الجملة بدل اشتمال من جملة: سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم [التوبة: 95] لأنهم إذا حلفوا لأجل أن يعرض عنهم المسلمون فلا يلوموهم، فإن ذلك يتضمن طلبهم رضى المسلمين. وقد فرع الله على ذلك أنه إن رضي المسلمون عنهم وأعرضوا عن لومهم فإن الله لا يرضى عن المنافقين. وهذا تحذير للمسلمين من الرضى عن المنافقين بطريق الكناية إذ قد علم المسلمون أن ما لا يرضي الله لا يكون للمسلمين أن يرضوا به. والقوم الفاسقون هم هؤلاء المنافقون. والعدول عن الإتيان بضمير (هم) إلى التعبير بصفتهم للدلالة على ذمهم وتعليل عدم الرضى عنهم، فالكلام مشتمل على خبر وعلى دليله فأفاد مفاد كلامين لأنه ينحل إلى: فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عنهم لأن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين. [97] الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم (97) استئناف ابتدائي رجع به الكلام إلى أحوال المعذرين من الأعراب والذين كذبوا الله ورسوله منهم، وما بين ذلك استطراد دعا إليه قرن الذين كذبوا الله ورسوله في

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/١٠) ↗