سورة التوبة · الآية ٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: { كيف } يكون للمشركين عند الله عهد وميثاق { و } الحال أنهم { إن يظهروا عليكم } بالقدرة والسلطة، لا يرحموكم، و { لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة } أي: لا ذمة ولا قرابة، ولا يخافون الله فيكم، بل يسومونكم سوء العذاب، فهذه حالكم معهم لو ظهروا. ولا يغرنكم منهم ما يعاملونكم به وقت الخوف منكم، فإنهم { يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم } الميل والمحبة لكم، بل هم الأعداء حقا، المبغضون لكم صدقا، { وأكثرهم فاسقون } لا ديانة لهم ولا مروءة. { اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا } أي: اختاروا الحظ العاجل الخسيس في الدنيا على الإيمان بالله ورسوله، والانقياد لآيات الله. { فصدوا } بأنفسهم، وصدوا غيرهم { عن سبيله إنهم سآء ما كانوا يعملون * لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة } أي لأجل عداوتهم للإيمان وأهله. فالوصف الذي جعلهم يعادونكم لأجله ويبغضونكم، هو الإيمان، فذبوا عن دينكم، وانصروه واتخذوا من عاداه لكم عدوا ومن نصره لكم وليا، واجعلوا الحكم يدور معه وجودا وعدما لا تجعلوا الولاية والعداوة طبيعية تميلون بهما، حيثما مال الهوى، وتتبعون فيهما النفس الأمارة بالسوء، ولهذا: { فإن تابوا } عن شركهم، ورجعوا إلى الإيمان { وأقاموا الصلوة وءاتوا الزكوة فإخونكم في الدين } وتناسوا تلك العداوة إذ كانوا مشركين، لتكونوا عباد الله المخلصين، وبهذا يكون العبد عبدا حقيقة. لما بين من أحكامه العظيمة ما بين، ووضح منها ما وضح، أحكاما وحكما وحكما وحكمة قال: { ونفصل الأيت } أي: نوضحها ونميزها { لقوم يعلمون } فإليهم سياق الكلام، وبهم تعرف الآيات والأحكام، وبهم عرف دين الإسلام وشرائع الدين. اللهم اجعلنا من القوم الذين يعلمون، ويعملون بما يعلمون، برحمتك وجودك وكرمك [وإحسانك يا رب العالمين].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التوبة ٨–١١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى محرضا للمؤمنين على معاداة المشركين والتبري منهم، ومبينا أنهم لا يستحقون أن يكون لهم عهد لشركهم بالله وكفرهم برسول الله (1) ولو أنهم إذ ظهروا (2) على المسلمين وأديلوا عليهم، لم يبقوا ولم يذروا، ولا راقبوا فيهم إلا ولا ذمة. قال علي بن أبي طلحة، وعكرمة، والعوفي عن ابن عباس: "الإل": القرابة، "والذمة": العهد. وكذا قال الضحاك والسدي، كما قال تميم بن مقبل: أفسد الناس خلوف خلفوا %~% قطعوا الإل وأعراق الرحم (3) وقال حسان بن ثابت، رضي الله عنه: وجدناهم كاذبا إلهم %~% وذو الإل والعهد لا يكذب (4) وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {لا يرقبون في مؤمن إلا} قال: الله. وفي رواية: لا يرقبون الله ولا غيره. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن سليمان، عن أبي مجلز في قوله تعالى: {لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة} مثل قوله: "جبرائيل"، "ميكائيل"، "إسرافيل"، [كأنه يقول: يضيف "جبر"، و"ميكا"، و"إسراف"، إلى "إيل"، يقول عبد الله: {لا يرقبون في مؤمن إلا} ] (5) كأنه يقول: لا يرقبون الله. والقول الأول أشهر وأظهر، وعليه الأكثر. وعن مجاهد أيضا: "الإل": العهد. وقال قتادة: "الإل": الحلف.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/١١٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
عليكم يغلبوكم، لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة. واكتفى ب كيف دليلا على معنى الكلام، لتقدم ما يراد من المعنى بها قبلها، وكذلك تفعل العرب إذا أعادت الحرف بعد مضي معناه استجازوا حذف الفعل، كما قال الشاعر: [البحر الطويل] وخبرتماني أنما الموت في القرى %~% فكيف وهذي هضبة وكثيب فحذف الفعل بعد كيف لتقدم ما يراد بعدها قبلها. ومعنى الكلام: فكيف يكون الموت في القرى وهذي هضبة وكثيب لا ينجو فيهما منه أحد واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة} [التوبة: 8] فقال بعضهم: معناه: لا يراقبوا الله فيكم ولا عهدا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٣٥٤) ↗التحرير والتنوير
… والتغلب، وبه قوة البعير في الرحلة والحمل، يقال: بعير ظهير، أي قوي على الرحلة، مثل المعين لأحد على عمل بحال من يعطيه ظهره يحمل عليه، فكأنه يعيره ظهره ويعيره الآخر ظهره، فمن ثم جاءت صيغة المفاعلة، ومثله المعاضدة مشتقة من العضد، والمساعدة من الساعد، والتأييد من اليد، والمكاتفة مشتقة من الكتف، وكلها أعضاء العمل. ويجوز أن يكون فعله مشتقا من الظهور، وهو مصدر ضد الخفاء، لأن المرء إذا انتصر على غيره ظهر حاله للناس، فمثل بالشيء الذي ظهر بعد خفاء، ولذلك يعدى بحرف (على) للاستعلاء المجازي، قال تعالى: وإن تظاهرا عليه [التحريم: 4]- وقال- كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة [التوبة: 8]- وقال- ليظهره على الدين كله [الفتح: 28]- وقال- والملائكة بعد ذلك ظهير [التحريم: 4] أي معين. والفاء في قوله: فأتموا تفريع على ما أفاده استثناء قوله: إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا إلخ، وهو أنهم لا تشملهم البراءة من العهد. والمدة: الأجل، مشتقة من المد لأن الأجل مد في زمن العمل، أي تطويل، ولذلك يقولون: ماد القوم غيرهم، إذا أجلوا الحرب إلى أمد، وإضافة المدة إلى ضمير المعاهدين لأنها منعقدة معهم، فإضافتها إليهم كإضافتها إلى المسلمين، ولكن رجح هنا جانبهم، لأن انتفاعهم بالأجل أصبح أكثر من انتفاع المسلمين به، إذ صار المسلمون أقوى منهم، وأقدر على حربهم. وجملة: إن الله يحب المتقين تذييل في معنى التعليل للأمر بإتمام العهد إلى الأجل بأن ذلك من التقوى، أي من امتثال الشرع الذي أمر الله به، لأن الإخبار بمحبة الله المتقين عقب الأمر كناية عن كون المأمور به من التقوى.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/١١٣) ↗