البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة التوبة · الآية ٧٨

﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: ومن هؤلاء المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه { لئن آتانا من فضله } من الدنيا فبسطها لنا ووسعها { لنصدقن ولنكونن من الصالحين } فنصل الرحم، ونقري الضيف، ونعين على نوائب الحق، ونفعل الأفعال الحسنة الصالحة. { فلمآ آتاهم من فضله } لم يفوا بما قالوا، بل { بخلوا به وتولوا } عن الطاعة والانقياد { وهم معرضون } أي: غير ملتفتين إلى الخير. فلما لم يفوا بما عاهدوا الله عليه، عاقبهم { فأعقبهم نفاقا في قلوبهم } مستمرا { إلى يوم يلقونه بمآ أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون }. فليحذر المؤمن من هذا الوصف الشنيع، أن يعاهد ربه، إن حصل مقصوده الفلاني ليفعلن كذا وكذا، ثم لا يفي بذلك، فإنه ربما عاقبه الله بالنفاق كما عاقب هؤلاء. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الثابت في الصحيحين: " آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف ". فهذا المنافق الذي وعد الله وعاهده، لئن أعطاه الله من فضله، ليصدقن وليكونن من الصالحين، حدث فكذب، وعاهد فغدر، ووعد فأخلف. ولهذا توعد من صدر منهم هذا الصنيع بقوله: { ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب } وسيجازيهم على ما عملوا من الأعمال التي يعلمها الله تعالى، وهذه الآيات نزلت في رجل من المنافقين يقال له " ثعلبة " جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله أن يدعو الله له، أن يعطيه الله من فضله، وأنه إن أعطاه ليتصدقن، ويصل الرحم، ويعين على النوائب، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم فكان له غنم، فلم تزل تتنامى حتى خرج بها عن المدينة، فكان لا يحضر إلا بعض الصلوات الخمس، ثم أبعد، فكان لا يحضر إلا صلاة الجمعة، ثم كثرت فأبعد بها، فكان لا يحضر جمعة ولا جماعة. ففقده النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبر بحاله، فبعث من يأخذ الصدقات من أهلها، فمروا على ثعلبة، فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، فلما لم يعطهم جاؤوا فأخبروا …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

مالا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه". قال: ثم قال مرة أخرى، فقال: "أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا وفضة لسارت". قال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم ارزق ثعلبة مالا". قال: فاتخذ غنما، فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، فنزل واديا من أوديتها، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة، ويترك ما سواهما. ثم نمت وكثرت، فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدود، حتى ترك الجمعة. فطفق يتلقى الركبان (1) يوم الجمعة، يسألهم عن الأخبار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما فعل ثعلبة"؟ فقالوا: يا رسول الله، اتخذ غنما فضاقت عليه المدينة. فأخبروه بأمره فقال: "يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة". وأنزل الله جل ثناؤه: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} الآية [التوبة: 103] قال: ونزلت عليه فرائض الصدقة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقة: رجلا من جهينة، ورجلا من سليم، وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة من المسلمين، وقال لهما: "مرا بثعلبة، وبفلان -رجل من بني سليم -فخذا صدقاتهما". فخرجا حتى أتيا ثعلبة، فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذه إلا جزية. ما هذه إلا أخت الجزية. ما أدري ما هذا انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلي. فانطلقا وسمع بهما السلمي، فنظر إلى خيار أسنان إبله، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما (2) بها فلما رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا، وما نريد أن نأخذ هذا منك. قال: بلى، فخذوها، فإن نفسي بذلك طيبة، وإنما هي له. فأخذوها منه. فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى مرا بثعلبة، فقال: أروني كتابكما فنظر فيه، فقال: ما هذه إلا أخت الجزية. انطلقا حتى أرى …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

الكفر به وبرسوله {ونجواهم} [التوبة: 78] يقول: ونجواهم إذا تناجوا بينهم بالطعن في الإسلام وأهله وذكرهم بغير ما ينبغي أن يذكروا به، فيحذروا من الله عقوبته أن يحلها بهم وسطوته أن يوقعها بهم على كفرهم بالله وبرسوله وعيبهم للإسلام وأهله، فينزعوا عن ذلك ويتوبوا منه. {وأن الله علام الغيوب} [التوبة: 78] يقول: ألم يعلموا أن الله علام ما غاب عن أسماع خلقه

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٥٨٧) ↗

التحرير والتنوير

63] ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم (63) هذه الجملة تتنزل من جملة والله ورسوله أحق أن يرضوه [التوبة: 62] منزلة التعليل، لأن العاقل لا يرضى لنفسه عملا يؤول به إلى مثل هذا العذاب، فلا يقدم على ذلك إلا من لا يعلم أن من يحادد الله ورسوله يصير إلى هذا المصير السيء. والاستفهام مستعمل في الإنكار والتشنيع، لأن عدم علمهم بذلك محقق بضرورة أنهم كافرون بالرسول، وبأن رضى الله عند رضاه ولكن لما كان عدم علمهم بذلك غريبا لوجود الدلائل المقتضية أنه مما يحق أن يعلموه، كان حال عدم العلم به حالا منكرا. وقد كثر استعمال هذا ونحوه في الإعلام بأمر مهم، كقوله في هذه السورة: ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده [التوبة: 104] وقوله: ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم [التوبة: 78] وقول مويال بن جهم المذحجي، أو مبشر بن هذيل الفزاري: ألم تعلمي يا عمرك الله أنني ... كريم على حين الكرام قليل فكأنه قيل: فليعلموا أنه من يحادد الله إلخ. والضمير المنصوب ب أنه ضمير الشأن، وفسر الضمير بجملة من يحادد الله إلى آخرها. والمعنى: ألم يعلموا شأنا عظيما هو من يحادد الله ورسوله له نار جهنم. وفك الدالان من يحادد ولم يدغما لأنه وقع مجزوما فجاز فيه الفك والإدغام، والفك أشهر وأكثر في القرآن، وهو لغة أهل الحجاز، وقد ورد فيه الإدغام نحو قوله: ومن يشاق الله في سورة الحشر [4] في قراءة جميع العشرة وهو لغة تميم. والمحادة: المعاداة والمخالفة. والفاء في فأن له نار جهنم لربط جواب شرط من.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٢٤٦) ↗