البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

سورة التوبة · الآية ٦٩

﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ۚ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى محذرا المنافقين أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم من الأمم المكذبة. { قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبرهيم وأصحب مدين والمؤتفكت } أي: قرى قوم لوط. فكلهم { أتتهم رسلهم بالبينت } أي: بالحق الواضح الجلي، المبين لحقائق الأشياء، فكذبوا بها، فجرى عليهم ما قص الله علينا، فأنتم أعمالكم شبيهة بأعمالهم، استمتعتم بخلاقكم، أي: بنصيبكم من الدنيا فتناولتموه على وجه اللذة والشهوة معرضين عن المراد منه، واستعنتم به على معاصي الله ولم تتعد همتكم وإرادتكم ما خولتم من النعم كما فعل الذين من قبلكم، وخضتم كالذي خاضوا، أي: وخضتم بالباطل والزور وجادلتم بالباطل لتدحضوا به الحق، فهذه أعمالهم وعلومهم، استمتاع بالخلاق وخوض بالباطل، فاستحقوا من العقوبة والإهلاك ما استحق من قبلهم ممن فعلوا كفعلهم، وأما المؤمنون فهم وإن استمتعوا بنصيبهم وما خولوا من الدنيا، فإنه على وجه الاستعانة به على طاعة الله، وأما علومهم فهي علوم الرسل، وهي الوصول إلى اليقين في جميع المطالب العالية، والمجادلة بالحق لإدحاض الباطل. قوله: { فما كان الله ليظلمهم } إذ أوقع بهم من عقوبته ما أوقع { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } حيث تجرؤوا على معاصيه، وعصوا رسلهم، واتبعوا أمر كل جبار عنيد.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التوبة ٦٩–٧٠) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وهذا الحديث له شاهد في الصحيح (1) يقول تعالى واعظا لهؤلاء المنافقين المكذبين للرسل: {ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم} أي: ألم تخبروا خبر من كان قبلكم من الأمم المكذبة للرسل {قوم نوح} وما أصابهم من الغرق العام لجميع أهل الأرض، إلا من آمن بعبده ورسوله نوح، عليه السلام، {وعاد} كيف أهلكوا بالريح العقيم، لما كذبوا هودا، عليه السلام، {وثمود} كيف أخذتهم الصيحة لما كذبوا صالحا، عليه السلام، وعقروا الناقة، {وقوم إبراهيم} كيف نصره الله عليهم وأيده بالمعجزات الظاهرة عليهم، وأهلك ملكهم النمروذ بن كنعان بن كوش الكنعاني لعنه الله، {وأصحاب مدين} وهم قوم شعيب، عليه السلام، وكيف أصابتهم (2) الرجفة والصيحة وعذاب يوم (3) الظلة، {والمؤتفكات} قوم لوط، وقد كانوا يسكنون في مدائن، وقال في الآية الأخرى: {والمؤتفكة أهوى} [النجم: 53،] أي: الأمة المؤتفكة، وقيل: أم قراهم، وهي "سدوم". والغرض: أن الله تعالى أهلكهم عن آخرهم بتكذيبهم نبي الله لوطا، عليه السلام، وإتيانهم الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين. {أتتهم رسلهم بالبينات} أي: بالحجج والدلائل القاطعات، {فما كان الله ليظلمهم} أي: بإهلاكه إياهم؛ لأنه أقام عليهم الحجة بإرسال الرسل وإزاحة العلل {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} أي: بتكذيبهم الرسل ومخالفتهم الحق، فصاروا إلى ما صاروا إليه من العذاب والدمار. لما ذكر [الله] (4) تعالى صفات المنافقين الذميمة، عطف بذكر صفات المؤمنين المحمودة، فقال: {بعضهم أولياء بعض} أي: يتناصرون ويتعاضدون، كما جاء في الصحيح: "المؤمن للمؤمن كالبنان يشد بعضه (5) بعضا" وشبك بين أصابعه (6) وفي الصحيح أيضا: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" (7)

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/١٧٤) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المنافقين الذين قالوا: إنما كنا نخوض ونلعب: أبالله وآيات كتابه ورسوله كنتم تستهزئون، كالذين من قبلكم من الأمم الذين فعلوا فعلكم فأهلكهم الله، وعجل لهم في الدنيا الخزي مع ما أعد لهم من العقوبة والنكال في الآخرة؟ يقول لهم جل ثناؤه: واحذروا أن يحل بكم من عقوبة الله مثل الذي حل بهم، فإنهم كانوا أشد

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٥٥٠) ↗

التحرير والتنوير

أحوال النفاق وآثاره الدالة على استحقاق العذاب، ففصل هاته الجملة عن التي قبلها: إما لأنها كالبيان للطائفة المستحقة العذاب، وإما أن تكون استئنافا ابتدائيا في حكم الاعتراض كما سيأتي عند قوله تعالى: كالذين من قبلكم [التوبة: 69] وإما أن تكون اعتراضا هي والتي بعدها بين الجملة المتقدمة وبين جملة كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة [التوبة: 69] كما سيأتي هنالك. وزيد في هذه الآية ذكر المنافقات تنصيصا على تسوية الأحكام لجميع المتصفين بالنفاق: ذكورهم وإناثهم، كيلا يخطر بالبال أن العفو يصادف نساءهم، والمؤاخذة خاصة بذكرانهم، ليعلم الناس أن لنساء المنافقين حظا من مشاركة رجالهن في النفاق فيحذروهن. ومن في قوله: بعضهم من بعض اتصالية دالة على معنى اتصال شيء بشيء وهو تبعيض مجازي معناه الوصلة والولاية، ولم يطلق على ذلك اسم الولاية كما أطلق على اتصال المؤمنين بعضهم ببعض في قوله: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض [التوبة: 71] لما سيأتي هنالك. وقد شمل قوله: بعضهم من بعض جميع المنافقين والمنافقات، لأن كل فرد هو بعض من الجميع، فإذا كان كل بعض متصلا ببعض آخر، علم أنهم سواء في الأحوال. وجملة يأمرون بالمنكر مبينة لمعنى الاتصال والاستواء في الأحوال. والمنكر: المعاصي لأنها ينكرها الإسلام. والمعروف: ضدها، لأن الدين يعرفه، أي يرضاه، وقد تقدما في قوله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر في سورة آل عمران [104] . وقبض الأيدي: كناية عن الشح، وهو وصف ذم لدلالته على القسوة، لأن المراد الشح على الفقراء.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٢٥٤) ↗