البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة التوبة · الآية ٤٧

﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى مبينا أن المتخلفين من المنافقين قد ظهر منهم من القرائن ما يبين أنهم ما قصدوا الخروج للجهاد بالكلية، وأن أعذارهم التي اعتذروها باطلة، فإن العذر هو المانع الذي يمنع إذا بذل العبد وسعه، وسعى في أسباب الخروج، ثم منعه مانع شرعي، فهذا الذي يعذر. { و } أما هؤلاء المنافقون ف { لو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة } أي: لاستعدوا وعملوا ما يمكنهم من الأسباب، ولكن لما لم يعدوا له عدة، علم أنهم ما أرادوا الخروج. { ولكن كره الله انبعاثهم } معكم في الخروج للغزو { فثبطهم } قدرا وقضاء، وإن كان قد أمرهم وحثهم على الخروج، وجعلهم مقتدرين عليه، ولكن بحكمته ما أراد إعانتهم، بل خذلهم وثبطهم { وقيل اقعدوا مع القاعدين } من النساء والمعذورين. ثم ذكر الحكمة في ذلك فقال: { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا } أي: نقصا. { ولأوضعوا خلالكم } أي: ولسعوا في الفتنة والشر بينكم، وفرقوا جماعتكم المجتمعين، { يبغونكم الفتنة } أي: هم حريصون على فتنتكم وإلقاء العداوة بينكم. { وفيكم } أناس ضعفاء العقول { سماعون لهم } أي: مستجيبون لدعوتهم يغترون بهم، فإذا كانوا هم حريصين على خذلانكم، وإلقاء الشر بينكم، وتثبيطكم عن أعدائكم، وفيكم من يقبل منهم ويستنصحهم. فما ظنك بالشر الحاصل من خروجهم مع المؤمنين، والنقص الكثير منهم، فلله أتم الحكمة حيث ثبطهم ومنعهم من الخروج مع عباده المؤمنين رحمة بهم، ولطفا من أن يداخلهم ما لا ينفعهم بل يضرهم. { والله عليم بالظالمين } فيعلم عباده كيف يحذرونهم، ويبين لهم من المفاسد الناشئة من مخالطتهم. ثم ذكر أنه قد سبق لهم سوابق في الشر فقال: { لقد ابتغوا الفتنة من قبل } أي: حين هاجرتم إلى المدينة، بذلوا الجهد، { وقلبوا لك الأمور } أي: أداروا الأفكار، وأعملوا الحيل في إبطال دعوتكم وخذلان دينكم، ولم يقصروا في ذلك، { حتى جآء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون } فبطل كيدهم واضمحل باطلهم، فحقيق بمثل …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

ثم بين [الله تعالى] (1) وجه كراهيته لخروجهم مع المؤمنين. فقال: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا} أي: لأنهم جبناء مخذولون، {ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة} أي: ولأسرعوا السير والمشي بينكم بالنميمة والبغضاء والفتنة، {وفيكم سماعون لهم} أي: مطيعون لهم ومستحسنون لحديثهم وكلامهم، يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم، فيؤدي هذا إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير. وقال مجاهد، وزيد بن أسلم، وابن جرير: {وفيكم سماعون لهم} أي: عيون يسمعون لهم الأخبار وينقلونها إليهم. وهذا لا يبقى له اختصاص بخروجهم معهم، بل هذا عام في جميع الأحوال، والمعنى الأول أظهر في المناسبة بالسياق، وإليه ذهب قتادة وغيره من المفسرين. وقال محمد بن إسحاق: كان فيما بلغني -من استأذن -من ذوي الشرف منهم: عبد الله بن أبي ابن سلول والجد بن قيس، وكانوا أشرافا في قومهم، فثبطهم الله، لعلمه بهم: أن يخرجوا معه (2) فيفسدوا عليه جنده، وكان في جنده قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه، لشرفهم فيهم، فقال: {وفيكم سماعون لهم} (3) ثم أخبر تعالى عن تمام علمه فقال: {والله عليم بالظالمين} فأخبر بأنه [يعلم] (4) ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون؛ ولهذا قال تعالى: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا} فأخبر عن حالهم كيف يكون لو خرجوا ومع هذا ما خرجوا، كما قال تعالى: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} [الأنعام: 28] وقال تعالى: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} [الأنفال: 23] وقال تعالى: {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما} [النساء: 66-68] والآيات في هذا كثيرة.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/١٦٠) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

وضرا، ولذلك ثبطتهم عن الخروج معكم.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٤٨٢) ↗

التحرير والتنوير

43] عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين (43) استأذن فريق من المنافقين النبيء صلى الله عليه وسلم، أن يتخلفوا عن الغزوة، منهم عبد الله بن أبي ابن سلول، والجد بن قيس، ورفاعة بن التابوت، وكانوا تسعة وثلاثين واعتذروا بأعذار كاذبة وأذن النبيء صلى الله عليه وسلم لمن استأذنه حملا للناس على الصدق، إذ كان ظاهر حالهم الإيمان، وعلما بأن المعتذرين إذا ألجئوا إلى الخروج لا يغنون شيئا، كما قال تعالى: لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا [التوبة: 47] فعاتب الله نبيئه صلى الله عليه وسلم في أن أذن لهم، لأنه لو لم يأذن لهم لقعدوا، فيكون ذلك دليلا للنبيء صلى الله عليه وسلم على نفاقهم وكذبهم في دعوى الإيمان، كما قال الله تعالى: ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم [محمد: 30] . والجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا لأنه غرض أنف. وافتتاح العتاب بالإعلام بالعفو إكرام عظيم، ولطافة شريفة، فأخبره بالعفو قبل أن يباشره بالعتاب. وفي هذا الافتتاح كناية عن خفة موجب العتاب لأنه بمنزلة أن يقال: ما كان ينبغي، وتسمية الصفح عن ذلك عفوا ناظر إلى مغزى قول أهل الحقيقة: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وألقي إليه العتاب بصيغة الاستفهام عن العلة إيماء إلى أنه ما أذن لهم إلا لسبب تأوله ورجا منه الصلاح على الجملة بحيث يسأل عن مثله في استعمال السؤال من سائل يطلب العلم وهذا من صيغ التلطف في الإنكار أو اللوم، بأن يظهر المنكر نفسه كالسائل عن العلة التي خفيت عليه، ثم أعقبه بأن ترك الإذن كان أجدر بتبيين حالهم، وهو غرض آخر لم يتعلق به قصد النبيء صلى الله عليه وسلم. وحذف متعلق أذنت لظهوره من السياق، أي لم أذنت لهم في القعود والتخلف.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٢١٠) ↗