سورة التوبة · الآية ٤٢
﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى لعباده المؤمنين - مهيجا لهم على النفير في سبيله فقال: { انفروا خفافا وثقالا } أي: في العسر واليسر، والمنشط والمكره، والحر والبرد، وفي جميع الأحوال. { وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله } أي: ابذلوا جهدكم في ذلك، واستفرغوا وسعكم في المال والنفس، وفي هذا دليل على أنه -كما يجب الجهاد في النفس- يجب الجهاد في المال، حيث اقتضت الحاجة ودعت لذلك. ثم قال: { ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } أي: الجهاد في النفس والمال، خير لكم من التقاعد عن ذلك، لأن فيه رضا الله تعالى، والفوز بالدرجات العاليات عنده، والنصر لدين الله، والدخول في جملة جنده وحزبه. لو كان خروجهم لطلب العرض القريب، أي: منفعة دنيوية سهلة التناول { و } كان السفر { سفرا قاصدا } أي: قريبا سهلا { لاتبعوك } لعدم المشقة الكثيرة، { ولكن بعدت عليهم الشقة } أي: طالت عليهم المسافة، وصعب عليهم السفر، فلذلك تثاقلوا عنك، وليس هذا من أمارات العبودية، بل العبد حقيقة هو المتعبد لربه في كل حال، القائم بالعبادة السهلة والشاقة، فهذا العبد لله على كل حال. { وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم } أي: سيحلفون أن تخلفهم عن الخروج، أن لهم أعذرا، وأنهم لا يستطيعون ذلك. { يهلكون أنفسهم } بالقعود والكذب والإخبار بغير الواقع، { والله يعلم إنهم لكاذبون }. وهذا العتاب إنما هو للمنافقين، الذين تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في " غزوة تبوك " وأبدوا من الأعذار الكاذبة ما أبدوا، فعفا النبي صلى الله عليه وسلم عنهم بمجرد اعتذارهم، من غير أن يمتحنهم، فيتبين له الصادق من الكاذب، ولهذا عاتبه الله على هذه المسارعة إلى عذرهم فقال: { عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين... }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التوبة ٤١–٤٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حين خرج إلى تبوك فأذن لهم: لو كان ما تدعو إليه المتخلفين عنك والمستأذنيك في ترك الخروج معك إلى مغزاك الذي استنفرتهم إليه {عرضا قريبا} [التوبة: 42] يقول: غنيمة حاضرة {وسفرا قاصدا} [التوبة: 42] يقول: وموضعا قريبا سهلا. {لاتبعوك} [التوبة: 42] ونفروا معك إليهما، ولكنك استنفرتهم إلى موضع بعيد، وكلفتهم سفرا شاقا عليهم؛ لأنك استنهضتهم في وقت الحر وزمان القيظ وحين الحاجة إلى الكن.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٤٧٦) ↗التحرير والتنوير
وإبهام خير لقصد توقع خير الدنيا والآخرة من شعب كثيرة أهمها الاطمئنان من أن يغزوهم الروم ولذلك عقب بقوله: إن كنتم تعلمون أي إن كنتم تعلمون ذلك الخير وشعبه. وفي اختيار فعل العلم دون الإيمان مثلا للإشارة إلى أن من هذا الخير ما يخفى فيحتاج متطلب تعيين شعبه إلى إعمال النظر والعلم. [42] 42] لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون (42) استئناف لابتداء الكلام على حال المنافقين وغزوة تبوك حين تخلفوا واستأذن كثير منهم في التخلف واعتلوا بعلل كاذبة، وهو ناشىء عن قوله: ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض [التوبة: 38] . وانتقل من الخطاب إلى الغيبة لأن المتحدث عنهم هنا بعض المتثاقلين لا محالة بدليل قوله بعد هذا إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم [التوبة: 45] . ومن هذه الآيات ابتدأ إشعار المنافقين بأن الله أطلع رسوله صلى الله عليه وسلم على دخائلهم. والعرض ما يعرض للناس من متاع الدنيا وتقدم في قوله تعالى: يأخذون عرض هذا الأدنى في سورة الأعراف [169] وقوله: تريدون عرض الدنيا في سورة الأنفال [67] والمراد به الغنيمة. والقريب: الكائن على مسافة قصيرة، وهو هنا مجاز في السهل حصوله. وقاصدا أي وسطا في المسافة غير بعيد. واسم كان محذوف دل عليه الخبر: أي لو كان العرض عرضا قريبا، والسفر سفرا متوسطا، أو: لو كان ما تدعوهم إليه عرضا قريبا وسفرا. والشقة- بضم الشين- المسافة الطويلة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٢٠٨) ↗