البيانابحثاسألالموضوعات

سورة التوبة · الآية ٣٩

﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

اعلم أن كثيرا من هذه السورة الكريمة نزلت في غزوة تبوك، إذ ندب النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى غزو الروم، وكان الوقت حارا، والزاد قليلا، والمعيشة عسرة، فحصل من بعض المسلمين من التثاقل ما أوجب أن يعاتبهم الله تعالى عليه ويستنهضهم، فقال تعالى: { يأيها الذين آمنوا } ألا تعملون بمقتضى الإيمان، وداعي اليقين من المبادرة لأمر الله، والمسارعة إلى رضاه، وجهاد أعدائه والنصرة لدينكم، ف { ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض } أي: تكاسلتم، وملتم إلى الأرض والدعة والسكون فيها. { أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة } أي: ما حالكم إلا حال من رضي بالدنيا وسعى لها ولم يبال بالآخرة، فكأنه ما آمن بها. { فما متاع الحياة الدنيا } التي مالت بكم، وقدمتموها على الآخرة { إلا قليل } أفليس قد جعل الله لكم عقولا تزنون بها الأمور، وأيها أحق بالإيثار؟. أفليست الدنيا - من أولها إلى آخرها - لا نسبة لها في الآخرة. فما مقدار عمر الإنسان القصير جدا من الدنيا حتى يجعله الغاية التي لا غاية وراءها، فيجعل سعيه وكده وهمه وإرادته لا يتعدى حياته الدنيا القصيرة المملوءة بالأكدار، المشحونة بالأخطار. فبأي رأي رأيتم إيثارها على الدار الآخرة الجامعة لكل نعيم، التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأنتم فيها خالدون، فوالله ما آثر الدنيا على الآخرة من وقر الإيمان في قلبه، ولا من جزل رأيه، ولا من عد من أولي الألباب، ثم توعدهم على عدم النفير فقال: { إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما } في الدنيا والآخرة، فإن عدم النفير في حال الاستنفار من كبائر الذنوب الموجبة لأشد العقاب، لما فيها من المضار الشديدة، فإن المتخلف قد عصى الله تعالى وارتكب لنهيه، ولم يساعد على نصر دين الله، ولا ذب عن كتاب الله وشرعه، ولا أعان إخوانه المسلمين على عدوهم الذي يريد أن يستأصلهم ويمحق دينهم، وربما اقتدى به غيره من ضعفاء الإيمان، بل …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

حسنة" ثم تلا هذه الآية: {فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} (1) (2) فالدنيا ما مضى منها وما بقي منها عند الله قليل. وقال [سفيان] (3) الثوري، عن الأعمش في الآية: {فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} قال: كزاد الراكب. وقال عبد العزيز بن أبي حازم (4) عن أبيه: لما حضرت عبد العزيز بن مروان الوفاة قال: ائتوني بكفني الذي أكفن فيه، أنظر إليه (5) فلما وضع بين يديه نظر إليه فقال: أما لي من كبير (6) ما أخلف من الدنيا إلا هذا؟ ثم ولى ظهره فبكى وهو يقول أف لك من دار. إن كان كثيرك لقليل، وإن كان قليلك لقصير، وإن كنا منك لفي غرور. ثم توعد تعالى على ترك الجهاد فقال: {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما} قال ابن عباس: استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا من العرب، فتثاقلوا عنه، فأمسك الله عنهم القطر فكان عذابهم. {ويستبدل قوما غيركم} أي: لنصرة نبيه وإقامة دينه، كما قال تعالى: {إن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد: 38] . {ولا تضروه شيئا} أي: ولا تضروا الله شيئا بتوليكم عن الجهاد، ونكولكم وتثاقلكم عنه، {والله على كل شيء قدير} أي: قادر على الانتصار من الأعداء بدونكم. وقد قيل: إن هذه الآية، وقوله: {انفروا خفافا وثقالا} وقوله {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله} [التوبة: 120] إنهن منسوخات بقوله تعالى: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} [التوبة: 122] روي هذا عن ابن عباس، وعكرمة، والحسن، وزيد بن أسلم. ورده (7) ابن جرير وقال: إنما هذا فيمن دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد، فتعين عليهم ذلك، فلو تركوه لعوقبوا عليه. وهذا له اتجاه، والله [سبحانه و] (8) تعالى أعلم [بالصواب] (9)

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/١٥٤) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٤٦٠) ↗

التحرير والتنوير

… لا أجد [التوبة: 92] الآية، فإن قوله: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله [النساء: 75] صالح لإفادة ذلك، وتحذير من العودة إليه، لأن قوله: إلا تنفروا وإلا تنصروه وانفروا خفافا مراد به ما يستقبل حين يدعون إلى غزوة أخرى، وسنبين ذلك مفصلا في مواضعه من الآيات. وإن جرينا على ما عزاه ابن عطية إلى النقاش: أن قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض هي أول آية نزلت من سورة براءة، كانت الآية عتابا على تكاسل وتثاقل ظهرا على بعض الناس، فكانت إذا ظرفا للمستقبل، على ما هو الغالب فيها، وكان قوله: إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما [التوبة: 39] تحذيرا من ترك الخروج إلى غزوة تبوك، وهذا كله بعيد مما ثبت في «السيرة» وما ترجح في نزول هذه السورة.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/١٩٦) ↗