البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

سورة التوبة · الآية ٣٥

﴿يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

هذا تحذير من الله تعالى لعباده المؤمنين عن كثير من الأحبار والرهبان، أي: العلماء والعباد الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، أي: بغير حق، ويصدون عن سبيل الله، فإنهم إذا كانت لهم رواتب من أموال الناس، أو بذل الناس لهم من أموالهم، فإنه لأجل علمهم وعبادتهم، ولأجل هداهم وهدايتهم، وهؤلاء يأخذونها ويصدون الناس عن سبيل الله، فيكون أخذهم لها على هذا الوجه سحتا وظلما، فإن الناس ما بذلوا لهم من أموالهم إلا ليدلوهم إلى الطريق المستقيم. ومن أخذهم لأموال الناس بغير حق، أن يعطوهم ليفتوهم أو يحكموا لهم بغير ما أنزل الله، فهؤلاء الأحبار والرهبان، ليحذر منهم هاتان الحالتان: أخذهم لأموال الناس بغير حق، وصدهم الناس عن سبيل الله. { والذين يكنزون الذهب والفضة } أي: يمسكونهما { ولا ينفقونها في سبيل الله } أي: طرق الخير الموصلة إلى الله، وهذا هو الكنز المحرم، أن يمسكها عن النفقة الواجبة، كأن يمنع منها الزكاة أو النفقات الواجبة للزوجات أو الأقارب، أو النفقة في سبيل الله إذا وجبت. { فبشرهم بعذاب أليم } ثم فسره بقوله: { يوم يحمى عليها } أي: على أموالهم، { في نار جهنم } فيحمى كل دينار أو درهم على حدته. { فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم } في يوم القيامة كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ويقال لهم توبيخا ولوما: { هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون } فما ظلمكم ولكنكم ظلمتم أنفسكم وعذبتموها بهذا الكنز. وذكر الله في هاتين الآيتين انحراف الإنسان في ماله، وذلك بأحد أمرين: إما أن ينفقه في الباطل الذي لا يجدي عليه نفعا، بل لا يناله منه إلا الضرر المحض، وذلك كإخراج الأموال في المعاصي والشهوات التي لا تعين على طاعة الله، وإخراجها للصد عن سبيل الله. وإما أن يمسك ماله عن إخراجه في الواجبات، و " النهي عن الشيء، أمر بضده ".

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التوبة ٣٤–٣٥) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

قولهم الإثم وأكلهم السحت} [المائدة: 63] والرهبان: عباد النصارى، والقسيسون: علماؤهم، كما قال تعالى: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون} [المائدة: 82] والمقصود: التحذير من علماء السوء وعباد الضلال (1) كما قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى. وفي الحديث الصحيح: "لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة". قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ ". وفي رواية: فارس والروم؟ قال: "ومن (2) الناس إلا هؤلاء؟ " (3) والحاصل التحذير من التشبه بهم في أحوالهم وأقوالهم؛ ولهذا قال تعالى: {ليأكلون أموال الناس بالباطل} وذلك أنهم يأكلون الدنيا بالدين ومناصبهم ورياستهم في الناس، يأكلون أموالهم بذلك، كما كان لأحبار اليهود على أهل الجاهلية شرف، ولهم عندهم خرج وهدايا وضرائب تجيء إليهم، فلما بعث الله رسوله، صلوات الله وسلامه عليه (4) استمروا على ضلالهم وكفرهم وعنادهم، طمعا منهم أن تبقى لهم تلك الرياسات، فأطفأها الله بنور النبوة، وسلبهم إياها، وعوضهم بالذلة والمسكنة، وباءوا بغضب من الله. وقوله تعالى: {ويصدون عن سبيل الله} أي: وهم مع أكلهم الحرام يصدون الناس عن اتباع الحق، ويلبسون الحق بالباطل، ويظهرون لمن اتبعهم من الجهلة أنهم يدعون إلى الخير، وليسوا كما يزعمون، بل هم دعاة إلى النار، ويوم القيامة لا ينصرون. وقوله: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} هؤلاء هم القسم الثالث من رءوس الناس، فإن الناس عالة على العلماء، وعلى العباد، وعلى أرباب الأموال، فإذا فسدت أحوال هؤلاء فسدت أحوال الناس، كما قال بعضهم (5) وهل أفسد الدين إلا الملوك %~% وأحبار سوء ورهبانها? وأما الكنز فقال مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أنه قال: هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة. وروى الثوري وغيره عن عبيد الله (6) عن نافع، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

جهنم} [التوبة: 35] فاليوم من صلة العذاب الأليم، كأنه قيل: يبشرهم بعذاب أليم يعذبهم الله به في يوم يحمى عليها. ويعني بقوله: {يحمى عليها} [التوبة: 35] تدخل النار فيوقد عليها، أي على الذهب والفضة التي كنزوها في نار جهنم، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، وكل شيء أدخل النار فقد أحمي إحماء، يقال منه: أحميت الحديدة في النار أحميها إحماء. وقوله: {فتكوى بها جباههم} [التوبة: 35] يعني بالذهب والفضة المكنوزة.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٤٣٦) ↗

التحرير والتنوير

عليه وسلم وصاحبيه فشكاه معاوية إلى عثمان، فاستجلبه من الشام وخشي أبو ذر الفتنة في المدينة فاعتزلها وسكن الربذة وثبت على رأيه وقوله. والفاء في قوله: فبشرهم داخلة على خبر الموصول، لتنزيل الموصول منزلة الشرط، لما فيه من الإيماء إلى تعليل الصلة في الخبر، فضمير الجمع عائد إلى الذين ويجوز كون الضمير عائدا إلى الأحبار والرهبان والذين يكنزون. والفاء للفصيحة بأن يكون بعد أن ذكر آكلي الأموال الصادين عن سبيل الله وذكر الكانزين، أمر رسوله بأن ينذر جميعهم بالعذاب، فدلت الفاء على شرط محذوف تقديره: إذا علمت أحوالهم هذه فبشرهم، والتبشير مستعار للوعيد على طريقة التهكم. [35] 35] يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (35) انتصب يوم يحمى على الظرفية لعذاب [التوبة: 34] ، لما في لفظ عذاب من معنى يعذبون. وضمير عليها عائد إلى الذهب والفضة [التوبة: 34] بتأويلهما بالدنانير والدراهم، أو عائد إلى أموال الناس [التوبة: 34] والذهب والفضة [التوبة: 34] ، إن كان الضمير في قوله: فبشرهم [التوبة: 34] عائدا إلى الأحبار والرهبان والذين يكنزون [التوبة: 34] . والحمي شدة الحرارة. يقال: حمي الشيء إذا اشتد حره. والضمير المجرور بعلى عائد إلى الذهب والفضة [التوبة: 34] باعتبار أنها دنانير أو دراهم، وهي متعددة وبني الفعل للمجهول لعدم تعلق الغرض بالفاعل، فكأنه قيل: يوم يحمي الحامون عليها، وأسند الفعل المبني للمجهول إلى المجرور لعدم تعلق الغرض بذكر المفعول المحمي لظهوره: إذ هو النار التي تحمى، ولذلك لم يقرن بعلامة التأنيث، عدي بعلى الدالة على الاستعلاء المجازي لإفادة أن الحمي تمكن من الأموال بحيث تكتسب حرارة المحمي كلها، ثم أكد معنى التمكن بمعنى الظرفية التي في قوله: في نار جهنم فصارت الأموال محمية عليها النار وموضوعة في النار.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/١٧٨) ↗