سورة التوبة · الآية ٣٣
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما أمر تعالى بقتال أهل الكتاب، ذكر من أقوالهم الخبيثة، ما يهيج المؤمنين الذين يغارون لربهم ولدينه على قتالهم، والاجتهاد وبذل الوسع فيه فقال: { وقالت اليهود عزير ابن الله } وهذه المقالة وإن لم تكن مقالة لعامتهم فقد قالها فرقة منهم، فيدل ذلك على أن في اليهود من الخبث والشر ما أوصلهم إلى أن قالوا هذه المقالة التي تجرؤوا فيها على الله، وتنقصوا عظمته وجلاله. وقد قيل: إن سبب ادعائهم في " عزير " أنه ابن الله، أنه لما سلط الله الملوك على بني إسرائيل، ومزقوهم كل ممزق، وقتلوا حملة التوراة، وجدوا عزيرا بعد ذلك حافظا لها أو لأكثرها، فأملاها عليهم من حفظه، واستنسخوها، فادعوا فيه هذه الدعوى الشنيعة. { وقالت النصارى المسيح } عيسى ابن مريم { ابن الله } قال الله تعالى { ذلك } القول الذي قالوه { قولهم بأفواههم } لم يقيموا عليه حجة ولا برهانا. ومن كان لا يبالي بما يقول، لا يستغرب عليه أي قول يقوله، فإنه لا دين ولا عقل يحجزه عما يريد من الكلام. ولهذا قال: { يضاهئون } أي: يشابهون في قولهم هذا { قول الذين كفروا من قبل } أي: قول المشركين الذين يقولون: " الملائكة بنات الله " تشابهت قلوبهم، فتشابهت أقوالهم في البطلان. { قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون } أي: كيف يصرفون على الحق الصرف الواضح المبين، إلى القول الباطل المبين. وهذا - وإن كان يستغرب على أمة كبيرة كثيرة أن تتفق على قول - يدل على بطلانه أدنى تفكر وتسليط للعقل عليه، فإن لذلك سببا وهو أنهم: { اتخذوا أحبارهم } وهم علماؤهم { ورهبانهم } أي: العباد المتجردين للعبادة. { أربابا من دون الله } يحلون لهم ما حرم الله فيحلونه، ويحرمون لهم ما أحل الله فيحرمونه، ويشرعون لهم من الشرائع والأقوال المنافية لدين الرسل فيتبعونهم عليها. وكانوا أيضا يغلون في مشايخهم وعبادهم ويعظمونهم، ويتخذون قبورهم أوثانا تعبد من دون الله، وتقصد بالذبائح والدعاء والاستغاثة. { …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… هؤلاء الكفار من المشركين وأهل الكتاب {أن يطفئوا نور الله} (1) أي: ما بعث به رسوله من الهدى ودين الحق، بمجرد جدالهم وافترائهم، فمثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس، أو نور القمر بنفخه، وهذا لا سبيل إليه، فكذلك ما أرسل الله به رسوله لا بد أن يتم ويظهر؛ ولهذا قال تعالى مقابلا لهم فيما راموه وأرادوه: {ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون} والكافر: هو الذي يستر الشيء ويغطيه، ومنه سمي الليل "كافرا"؛ لأنه يستر الأشياء، والزارع كافرا؛ لأنه يغطي الحب في الأرض كما قال: {أعجب الكفار نباته} [الحديد: 20] (2) ثم قال تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق} فالهدى: هو ما جاء به من الإخبارات الصادقة، والإيمان الصحيح، والعلم النافع -ودين الحق: هي الأعمال [الصالحة] (3) الصحيحة النافعة في الدنيا والآخرة. {ليظهره على الدين كله} أي: على سائر الأديان، كما ثبت في الصحيح، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها" (4) وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد بن أبي يعقوب: سمعت شقيق بن حيان يحدث عن مسعود بن قبيصة -أو: قبيصة بن مسعود -يقول: صلى هذا الحي من "محارب" الصبح، فلما صلوا قال شاب منهم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنه سيفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها، وإن عمالها في النار، إلا من اتقى الله وأدى الأمانة" (5) وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثنا سليم بن عامر، عن تميم الداري، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام، وذلا يذل الله به الكفر"، فكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
على خلقه، وجميع اللازم لهم، وبدين الحق وهو الإسلام {ليظهره على الدين كله} [التوبة: 33] يقول: ليعلي الإسلام على الملل كلها. {ولو كره المشركون} [التوبة: 33] بالله ظهوره عليها. وقد اختلف أهل التأويل في معنى قوله: {ليظهره على الدين كله} [التوبة: 33] فقال بعضهم: ذلك عند خروج عيسى حين تصير الملل كلها واحدة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٤٢٢) ↗التحرير والتنوير
33] هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (33) بيان لجملة ويأبى الله إلا أن يتم نوره [التوبة: 32] بأنه أرسل رسوله بهذا الدين، فلا يريد إزالته، ولا يجعل تقديره باطلا وعبثا. وفي هذا البيان تنويه بشأن الرسول بعد التنويه بشأن الدين. وفي قوله: هو الذي أرسل رسوله صيغة قصر، أي هو لا غيره أرسل رسوله بهذا النور، فكيف يترك معانديه يطفئونه. واجتلاب اسم الموصول: للإيماء إلى أن مضمون الصلة علة للجملة التي بنيت عليها هذه الجملة وهي جملة: ويأبى الله إلا أن يتم نوره [التوبة: 32] . وعبر عن الإسلام بالهدى ودين الحق تنويها بفضله، وتعريضا بأن ما هم عليه ليس بهدى ولا حق. وفعل الإظهار إذا عدي ب على كان مضمنا معنى النصر، أو التفضيل، أي لينصره على الأديان كلها، أي ليكون أشرف الأديان وأغلبها، ومنه المظاهرة أي المناصرة، وقد تقدم ذكرها آنفا عند قوله: ولم يظاهروا عليكم أحدا [التوبة: 4] . فالإسلام كان أشرف الأديان: لأن معجزة صدقه القرآن، وهو معجزة تدرك بالعقل، ويستوي في إدراك إعجازها جميع العصور، ولخلو هذا الدين عن جميع العيوب في الاعتقاد والفعل، فهو خلي عن إثبات ما لا يليق بالله تعالى، وخلي عن وضع التكاليف الشاقة، وخلي عن الدعوة إلى الإعراض عن استقامة نظام العالم، وقد فصلت ذلك في الكتاب الذي سميته «أصول النظام الاجتماعي في الإسلام» . وظهور الإسلام على الدين كله حصل في العالم باتباع أهل الملل إياه في سائر الأقطار، بالرغم على كراهية أقوامهم وعظماء مللهم ذلك، ومقاومتهم إياه بكل حيلة ومع ذلك فقد ظهر وعلا وبان فضله على الأديان التي جاورها وسلامته من الخرافات
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/١٧٣) ↗