البيانابحثاسألالموضوعات

سورة التوبة · الآية ٣١

﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

لما أمر تعالى بقتال أهل الكتاب، ذكر من أقوالهم الخبيثة، ما يهيج المؤمنين الذين يغارون لربهم ولدينه على قتالهم، والاجتهاد وبذل الوسع فيه فقال: { وقالت اليهود عزير ابن الله } وهذه المقالة وإن لم تكن مقالة لعامتهم فقد قالها فرقة منهم، فيدل ذلك على أن في اليهود من الخبث والشر ما أوصلهم إلى أن قالوا هذه المقالة التي تجرؤوا فيها على الله، وتنقصوا عظمته وجلاله. وقد قيل: إن سبب ادعائهم في " عزير " أنه ابن الله، أنه لما سلط الله الملوك على بني إسرائيل، ومزقوهم كل ممزق، وقتلوا حملة التوراة، وجدوا عزيرا بعد ذلك حافظا لها أو لأكثرها، فأملاها عليهم من حفظه، واستنسخوها، فادعوا فيه هذه الدعوى الشنيعة. { وقالت النصارى المسيح } عيسى ابن مريم { ابن الله } قال الله تعالى { ذلك } القول الذي قالوه { قولهم بأفواههم } لم يقيموا عليه حجة ولا برهانا. ومن كان لا يبالي بما يقول، لا يستغرب عليه أي قول يقوله، فإنه لا دين ولا عقل يحجزه عما يريد من الكلام. ولهذا قال: { يضاهئون } أي: يشابهون في قولهم هذا { قول الذين كفروا من قبل } أي: قول المشركين الذين يقولون: " الملائكة بنات الله " تشابهت قلوبهم، فتشابهت أقوالهم في البطلان. { قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون } أي: كيف يصرفون على الحق الصرف الواضح المبين، إلى القول الباطل المبين. وهذا - وإن كان يستغرب على أمة كبيرة كثيرة أن تتفق على قول - يدل على بطلانه أدنى تفكر وتسليط للعقل عليه، فإن لذلك سببا وهو أنهم: { اتخذوا أحبارهم } وهم علماؤهم { ورهبانهم } أي: العباد المتجردين للعبادة. { أربابا من دون الله } يحلون لهم ما حرم الله فيحلونه، ويحرمون لهم ما أحل الله فيحرمونه، ويشرعون لهم من الشرائع والأقوال المنافية لدين الرسل فيتبعونهم عليها. وكانوا أيضا يغلون في مشايخهم وعبادهم ويعظمونهم، ويتخذون قبورهم أوثانا تعبد من دون الله، وتقصد بالذبائح والدعاء والاستغاثة. { …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

[وقوله] (1) {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم} روى الإمام أحمد، والترمذي، وابن جرير من طرق، عن عدي بن حاتم، رضي الله عنه، أنه لما بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها، ورغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم عدي المدينة، وكان رئيسا في قومه طيئ، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنق عدي صليب من فضة، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم. فقال: "بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا (2) لهم الحرام، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم". وقال (3) رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عدي، ما تقول؟ أيفرك (4) أن يقال: الله أكبر؟ فهل تعلم شيئا أكبر من الله؟ ما يفرك؟ أيفرك أن يقال (5) لا إله إلا الله؟ فهل تعلم من إله إلا الله"؟ ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم، وشهد شهادة الحق، قال: فلقد رأيت وجهه استبشر ثم قال: "إن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون" (6) وهكذا قال حذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وغيرهما في تفسير: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا. وقال السدي: استنصحوا الرجال، وتركوا (7) كتاب الله وراء ظهورهم. ولهذا قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا} أي: الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام، وما حلله حل، وما شرعه اتبع، وما حكم به نفذ. {لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} أي: تعالى وتقدس وتنزه عن الشركاء والنظراء والأعوان والأضداد والأولاد، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/١٣٥) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

قيل واحدهم حبر وحبر بكسر الحاء منه وفتحها. وكان يونس الجرمي فيما ذكر عنه يزعم أنه لم يسمع ذلك إلا حبر بكسر الحاء، ويحتج بقول الناس: هذا مداد حبر، يراد به: مداد عالم. وذكر الفراء أنه سمعه حبرا وحبرا بكسر الحاء وفتحها. PageEndV11P417 والنصارى رهبانهم، وهم أصحاب الصوامع وأهل الاجتهاد في دينهم منهم

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٤١٦) ↗

التحرير والتنوير

كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا [الكهف: 5] . وفي هذا أيضا إلزام لهم بهذا القول، وسد باب تنصلهم منه إذ هو إقرارهم بأفواههم وصريح كلامهم. والمضاهاة: المشابهة، وإسنادها إلى القائلين: على تقدير مضاف ظاهر من الكلام، أي يضاهي قولهم. والذين كفروا من قبل هم المشركون: من العرب، ومن اليونان، وغيرهم، وكونهم من قبل النصارى ظاهر، وأما كونهم من قبل اليهود: فلأن اعتقاد بنوة عزير طارئ في اليهود وليس من عقيدة قدمائهم. وجملة قاتلهم الله دعاء مستعمل في التعجيب، وهو مركب يستعمل في التعجب من عمل شنيع، والمفاعلة فيه للمبالغة في الدعاء: أي قتلهم الله قتلا شديدا. وجملة التعجيب مستأنفة كشأن التعجب. وجملة أنى يؤفكون مستأنفة. والاستفهام فيها مستعمل في التعجيب من حالهم في الاتباع الباطل، حتى شبه المكان الذي يصرفون إليه باعتقادهم بمكان مجهول من شأنه أن يسأل عنه باسم الاستفهام عن المكان، ومعنى يؤفكون يصرفون. يقال: أفكه يأفكه إذا صرفه، قال تعالى: يؤفك عنه من أفك [الذاريات: 9] والإفك بمعنى الكذب قد جاء من هذه المادة لأن الكاذب يصرف السامع عن الصدق، وقد تقدم ذلك غير مرة. [31] 31] اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) الجملة تقرير لمضمون جملة وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله [التوبة: 30] ليبنى على التقرير زيادة التشنيع بقوله: وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا إلخ، فوزان هذه الجملة وزان جملة اتخذوه وكانوا ظالمين [الأعراف: 148] بعد جملة واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار [الأعراف: 148] . والضمير لليهود والنصارى.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/١٦٩) ↗