سورة التوبة · الآية ٢٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما اختلف بعض المسلمين، أو بعض المسلمين وبعض المشركين، في تفضيل عمارة المسجد الحرام، بالبناء والصلاة والعبادة فيه وسقاية الحاج، على الإيمان بالله والجهاد في سبيله، أخبر الله تعالى بالتفاوت بينهما، فقال: { أجعلتم سقاية الحاج } أي: سقيهم الماء من زمزم كما هو المعروف إذا أطلق هذا الاسم، أنه المراد { وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله }. فالجهاد والإيمان بالله أفضل من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام بدرجات كثيرة، لأن الإيمان أصل الدين، وبه تقبل الأعمال، وتزكو الخصال. وأما الجهاد في سبيل الله فهو ذروة سنام الدين، الذي به يحفظ الدين الإسلامي ويتسع، وينصر الحق ويخذل الباطل. وأما عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج، فهي وإن كانت أعمالا صالحة، فهي متوقفة على الإيمان، وليس فيها من المصالح ما في الإيمان والجهاد، فلذلك قال: { لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين } أي: الذين وصفهم الظلم، الذين لا يصلحون لقبول شيء من الخير، بل لا يليق بهم إلا الشر. ثم صرح بالفضل فقال: { الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم } بالنفقة في الجهاد وتجهيز الغزاة { وأنفسهم } بالخروج بالنفس { أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون } أي: لا يفوز بالمطلوب ولا ينجو من المرهوب، إلا من اتصف بصفاتهم، وتخلق بأخلاقهم. { يبشرهم ربهم } جودا منه، وكرما وبرا بهم، واعتناء ومحبة لهم، { برحمة منه } أزال بها عنهم الشرور، وأوصل إليهم [بها] كل خير. { ورضوان } منه تعالى عليهم، الذي هو أكبر نعيم الجنة وأجله، فيحل عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم أبدا. { وجنات لهم فيها نعيم مقيم } من كل ما اشتهته الأنفس، وتلذ الأعين، مما لا يعلم وصفه ومقداره إلا الله تعالى، الذي منه أن الله أعد للمجاهدين في سبيله مئة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، ولو اجتمع الخلق في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
لما ذكر تعالى حكم المؤمنين في الدنيا، عطف بذكر ما لهم في الآخرة، فأخبر عنهم بحقيقة الإيمان، كما تقدم في أول السورة، وأنه سيجازيهم بالمغفرة والصفح عن ذنوب إن كانت، وبالرزق الكريم، وهو الحسن الكثير الطيب الشريف، دائم مستمر أبدا لا ينقطع ولا ينقضي، ولا يسأم ولا يمل لحسنه وتنوعه. ثم ذكر أن الأتباع لهم في الدنيا على ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح فهم معهم في الآخرة كما قال: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار} الآية [التوبة: 100] ، وقال: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنااغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم} [الحشر:10] وفي الحديث المتفق عليه، بل المتواتر من طرق صحيحة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المرء مع من أحب"، وفي الحديث الآخر: "من أحب قوما حشر معهم" (1) وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن شريك، عن عاصم، عن أبي وائل، عن جرير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المهاجرون والأنصار أولياء بعضهم لبعض، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة". قال شريك: فحدثنا الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عبد الرحمن بن هلال، عن جرير، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. تفرد به أحمد من هذين الوجهين (2) وأما قوله تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} أي: في حكم الله، وليس المراد بقوله: {وأولوا الأرحام} خصوصية ما يطلقه علماء الفرائض على القرابة، الذين لا فرض لهم ولا هم عصبة، بل يدلون بوارث، كالخالة، والخال، والعمة، وأولاد البنات، وأولاد الأخوات، ونحوهم، كما قد يزعمه بعضهم ويحتج بالآية، ويعتقد ذلك صريحا في المسألة، بل الحق أن الآية
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٩٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
معه ونصروهم ونصروا دين الله، أولئك هم أهل الإيمان بالله ورسوله حقا، لا من آمن ولم يهاجر دار الشرك وأقام بين أظهر أهل الشرك ولم يغز مع المسلمين عدوهم. {لهم مغفرة} [المائدة: 9] يقول: لهم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٢٩٩) ↗التحرير والتنوير
الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون (20) هذه الجملة مبينة لنفي الاستواء الذي في جملة لا يستوون عند الله [التوبة: 19] ومفصلة للجهاد الذي في قوله: كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله [التوبة: 19] بأنه الجهاد بالأموال والأنفس، وإدماج لبيان مزية المهاجرين من المجاهدين. و (الذين هاجروا) هم المؤمنون من أهل مكة وما حولها، الذين هاجروا منها إلى المدينة لما أذنهم النبيء صلى الله عليه وسلم بالهجرة إليها بعد أن أسلموا، وذلك قبل فتح مكة. والمهاجرة: ترك الموطن والحلول ببلد آخر، وهي مشتقة من الهجر وهو الترك، واشتقت لها صيغة المفاعلة لاختصاصها بالهجر القوي وهو هجر الوطن، والمراد بها- في عرف الشرع- هجرة خاصة: وهي الهجرة من مكة إلى المدينة، فلا تشمل هجرة من هاجر من المسلمين إلى بلاد الحبشة لأنها لم تكن على نية الاستيطان بل كانت هجرة مؤقتة، وتقدم ذكر الهجرة في آخر سورة الأنفال. والمفضل عليه محذوف لظهوره: أي أعظم درجة عند الله من أصحاب السقاية والعمارة الذين آمنوا ولم يهاجروا ولم يجاهدوا الجهاد الكثير الذي جاهده المسلمون أيام بقاء أولئك في الكفر، والمقصود تفضيل خصالهم. والدرجة تقدمت عند قوله تعالى: وللرجال عليهن درجة في سورة البقرة [228] . وقوله: لهم درجات عند ربهم في أوائل الأنفال [4] . وهي في كل ذلك مستعارة لرفع المقدار. وعند الله إشارة إلى أن رفعة مقدارهم رفعة رضى من الله وتفضيل بالتشريف، لأن أصل (عند) أنها ظرف للقرب. وجملة وأولئك هم الفائزون معطوفة على أعظم درجة أي: أعظم وهم أصحاب الفوز. وتعريف المسند باللام مفيد للقصر، وهو قصر ادعائي للمبالغة في عظم فوزهم حتى إن فوز غيرهم بالنسبة إلى فوزهم يعد كالمعدوم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/١٤٨) ↗