البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة التوبة · الآية ١٦

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى لعباده المؤمنين بعد ما أمرهم بالجهاد: { أم حسبتم أن تتركوا } من دون ابتلاء وامتحان، وأمر بما يبين به الصادق والكاذب. { ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم } أي: علما يظهر مما في القوة إلى الخارج، ليترتب عليه الثواب والعقاب، فيعلم الذين يجاهدون في سبيله لإعلاء كلمته { ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة } أي: وليا من الكافرين، بل يتخذون الله ورسوله والمؤمنين أولياء. فشرع الله الجهاد ليحصل به هذا المقصود الأعظم، وهو أن يتميز الصادقون الذين لا يتحيزون إلا لدين الله، من الكاذبين الذين يزعمون الإيمان وهم يتخذون الولائج والأولياء من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين. { والله خبير بما تعملون } أي: يعلم ما يصير منكم ويصدر، فيبتليكم بما يظهر به حقيقة ما أنتم عليه، ويجازيكم على أعمالكم خيرها وشرها.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التوبة ١٦) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقال تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب} [آل عمران: 179] والحاصل أنه تعالى لما شرع الجهاد لعباده، بين أن له فيه حكمة، وهو اختبار (1) عبيده: من يطيعه ممن يعصيه، وهو تعالى العالم بما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون؟ فيعلم الشيء قبل كونه، ومع كونه على ما هو عليه، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، ولا راد لما قدره وأمضاه. يقول تعالى: ما ينبغي للمشركين بالله أن يعمروا مساجد الله التي بنيت على اسمه وحده لا شريك له. ومن قرأ: "مسجد الله" فأراد به المسجد الحرام، أشرف المساجد في الأرض، الذي بني من أول يوم على عبادة الله وحده لا شريك له. وأسسه خليل الرحمن هذا، وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر، أي: بحالهم وقالهم، كما قال السدي: لو سألت النصراني: ما دينك؟ لقال: نصراني، واليهودي: ما دينك؟ لقال يهودي، والصابئي، لقال: صابئي، والمشرك، لقال: مشرك. {أولئك حبطت أعمالهم} أي: بشركهم، {وفي النار هم خالدون} كما قال تعالى: {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون} [الأنفال:34] ؛ ولهذا قال: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر} فشهد تعالى بالإيمان لعمار المساجد، كما قال الإمام أحمد: حدثنا سريج (2) حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث؛ أن دراجا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد (3) فاشهدوا له بالإيمان؛ قال الله تعالى: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر} ورواه الترمذي، وابن مردويه، والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن وهب، به (4) وقال (5) عبد بن حميد في مسنده: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا صالح المري، عن ثابت البناني، عن ميمون بن سياه، وجعفر بن زيد، عن …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

{قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم} [التوبة: 14] الآية، حاضا على جهادهم: أم حسبتم أيها المؤمنون أن يترككم الله بغير محنة يمتحنكم بها وبغير اختبار يختبركم به، فيعرف الصادق منكم في دينه من الكاذب فيه. {ولما يعلم الله الذين جاهدوا} [آل عمران: 142] يقول: أحسبتم أن تتركوا بغير اختبار يعرف به أهل ولايته المجاهدين منكم في سبيله، من المضيعين أمر الله في ذلك المفرطين. {ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله} [التوبة: 16] يقول: ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم، والذين لم يتخذوا من دون الله ولا من دون رسوله، ولا من دون المؤمنين {وليجة} [التوبة: 16] هو الشيء يدخل في آخر غيره، يقال منه: ولج فلان في كذا يلجه فهو وليجة. وإنما عنى بها في هذا الموضع: البطانة من المشركين، نهى الله المؤمنين أن يتخذوا من عدوهم من المشركين أولياء يفشون إليهم أسرارهم. {والله خبير بما

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٣٧٢) ↗

التحرير والتنوير

ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم. جملة ابتدائية مستأنفة، لأنه ابتداء كلام ليس مما يترتب على الأمر بالقتال، بل لذكر من لم يقتلوا، ولذلك جاء الفعل فيها مرفوعا، فدل هذا النظم على أنها راجعة إلى قوم آخرين، وهم المشركون الذين خانوا وغدروا، ولم يقتلوا، بل أسلموا من قبل هذا الأمر أو بعده. وتوبة الله عليهم: هي قبول إسلامهم أو دخولهم فيه، وفي هذا إعذار وإمهال لمن تأخر. وإنما لم تفصل الجملة: للإشارة إلى أن مضمونها من بقية أحوال المشركين، فناسب انتظامها مع ما قبلها. فقد تاب الله على أبي سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وسليم بن أبي عمرو (ذكر هذا الثالث القرطبي ولم أقف على اسمه في الصحابة) . والتذييل بجملة والله عليم حكيم لإفادة أن الله يعامل الناس بما يعلم من نياتهم، وأنه حكيم لا يأمر إلا بما فيه تحقيق الحكمة، فوجب على الناس امتثال أوامره، وأنه يقبل توبة من تاب إليه تكثيرا للصلاح. [16] 16] أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون (16) أم منقطعة لإفادة الإضراب عن غرض من الكلام للانتقال إلى غرض آخر. والكلام بعد أم المنقطعة له حكم الاستفهام دائما، فقوله: حسبتم في قوة (أحسبتم) والاستفهام المقدر إنكاري. والخطاب للمسلمين، على تفاوت مراتبهم في مدة إسلامهم، فشمل المنافقين لأنهم أظهروا الإسلام.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/١٣٧) ↗