سورة التوبة · الآية ١٢٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يمتن [تعالى] على عباده المؤمنين بما بعث فيهم النبي الأمي الذي من أنفسهم، يعرفون حاله، ويتمكنون من الأخذ عنه، ولا يأنفون عن الانقياد له، وهو صلى الله عليه وسلم في غاية النصح لهم، والسعي في مصالحهم. { عزيز عليه ما عنتم } أي: يشق عليه الأمر الذي يشق عليكم ويعنتكم. { حريص عليكم } فيحب لكم الخير، ويسعى جهده في إيصاله إليكم، ويحرص على هدايتكم إلى الإيمان، ويكره لكم الشر، ويسعى جهده في تنفيركم عنه. { بالمؤمنين رءوف رحيم } أي: شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من والديهم. ولهذا كان حقه مقدما على سائر حقوق الخلق، وواجب على الأمة الإيمان به، وتعظيمه، وتعزيره، وتوقيره { فإن } آمنوا، فذلك حظهم وتوفيقهم، وإن { تولوا } عن الإيمان والعمل، فامض على سبيلك، ولا تزل في دعوتك، وقل { حسبي الله } أي: الله كافي في جميع ما أهمني، { لا إله إلا هو } أي: لا معبود بحق سواه. { عليه توكلت } أي: اعتمدت ووثقت به، في جلب ما ينفع، ودفع ما يضر، { وهو رب العرش العظيم } الذي هو أعظم المخلوقات. وإذا كان رب العرش العظيم، الذي وسع المخلوقات، كان ربا لما دونه من باب أولى وأحرى.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التوبة ١٢٨–١٢٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
حدثنا سفيان بن عيينة، عن فطر، عن أبي الطفيل، عن أبي ذر قال. تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر (1) يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكرنا منه علما -قال: وقال صلى الله عليه وسلم: "ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم". (2) وقال الإمام أحمد: حدثنا [أبو] (3) فطن، حدثنا السعودي، عن الحسن بن سعد، عن عبدة النهدي، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لم يحرم حرمة إلا وقد علم أنه سيطلعها منكم مطلع، ألا وإني آخذ بحجزكم أن تهافتوا في النار، كتهافت الفراش، أو الذباب". (4) وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه ملكان، فيما يرى النائم، فقعد أحدهما عند (5) رجليه والآخر عند رأسه. فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مثل هذا ومثل أمته. فقال: إن مثله (6) ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة (7) فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة (8) ولا ما يرجعون به، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حلة حبرة فقال: أرأيتم إن وردت بكم رياضا معشبة، وحياضا رواء تتبعوني؟ فقالوا: نعم. قال: فانطلق بهم، فأوردهم رياضا معشبة، وحياضا رواء، فأكلوا وشربوا وسمنوا، فقال لهم: ألم ألفكم على تلك الحال، فجعلتم لي إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أن تتبعوني؟ فقالوا: بلى. قال: فإن بين أيديكم رياضا هي أعشب من هذه، وحياضا هي أروى من هذه، فاتبعوني. فقالت طائفة: صدق، والله لنتبعنه وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم عليه. (9) وقال البزار: حدثنا سلمة بن شبيب وأحمد بن منصور قالا حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان حدثنا أبي، عن عكرمة عن أبي هريرة، رضي الله عنه؛ أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستعينه في شيء -قال عكرمة: أراه قال: "في دم" …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه في قوله: " {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم} [التوبة: 128] قال: لم يصبه شيء من شرك في ولادته " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن جعفر بن محمد، في قوله: " {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} [التوبة: 128] قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية. قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، بنحوه حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {لقد جاءكم PageEndV12P098 رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم} [التوبة: 128] قال: جعله الله من أنفسهم، ولا يحسدونه على ما أعطاه الله من النبوة والكرامة " وأما قوله: {عزيز عليه ما عنتم} [التوبة: 128] فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معناه: ما ضللتم. ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا طلق بن غنام، قال: ثنا الحكم بن ظهير، عن السدي، عن ابن عباس، في قوله: " {عزيز عليه ما عنتم} [التوبة: 128] قال: ما ضللتم " وقال آخرون: بل معنى ذلك: عزيز عليه عنت مؤمنكم. ذكر من قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {عزيز عليه ما عنتم} [التوبة: 128] عزيز عليه عنت مؤمنهم " وأولى القولين في ذلك بالصواب قول ابن عباس؛ وذلك أن الله عم بالخبر عن نبي الله أنه عزيز عليه ما عنت قومه، ولم يخصص أهل الإيمان به، فكان صلى الله عليه وسلم كما وصفه الله به عزيزا عليه عنت جميعهم فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يوصف صلى الله عليه وسلم بأنه كان عزيزا عليه عنت PageEndV12P099 جميعهم وهو يقتل كفارهم ويسبي ذراريهم ويسلبهم أموالهم؟ قيل: إن إسلامهم لو كانوا أسلموا كان أحب إليه من إقامتهم على كفرهم وتكذيبهم إياه حتى يستحقوا ذلك من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
… ما كان للنبيء والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى [التوبة: 113] الآية ففي «صحيح البخاري» أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبيء صلى الله عليه وسلم فقال: «يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية «يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب» . فكان آخر قول أبي طالب: أنه على ملة عبد المطلب، فقال النبيء: «لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» . وتوفي أبو طالب فنزلت ما كان للنبيء والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين [التوبة: 113] . وشذ ما روي عن مقاتل: أن آيتين من آخرها مكيتان، وهما لقد جاءكم رسول من أنفسكم [التوبة: 128] إلى آخر السورة. وسيأتي ما روي أن قوله تعالى: أجعلتم سقاية الحاج [التوبة: 19] الآية. نزل في العباس إذ أسر يوم بدر فعيره علي بن أبي طالب بالكفر وقطيعة الرحم، فقال: نحن نحجب الكعبة إلخ. وهذه السورة آخر السور نزولا عند الجميع، نزلت بعد سورة الفتح، في قول جابر بن زيد، فهي السورة الرابعة عشرة بعد المائة في عداد نزول سور القرآن. وروي: أنها نزلت في أول شوال سنة تسع، وقيل آخر ذي القعدة سنة تسع، بعد خروج أبي بكر الصديق من المدينة للحجة التي أمره عليها النبيء صلى الله عليه وسلم وقيل: قبيل خروجه. والجمهور على أنها نزلت دفعة واحدة، فتكون مثل سورة الأنعام بين السور الطوال. وفسر كثير من المفسرين بعض آيات هذه السورة بما يقتضي أنها نزلت أوزاعا في أوقات متباعدة، كما سيأتي، ولعل مراد من قال إنها نزلت غير متفرقة: أنه يعني أنها لم يتخللها ابتداء نزول سورة أخرى. والذي يغلب على الظن أن ثلاث عشرة آية من أولها إلى قوله تعالى: فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين [التوبة: 13] نزلت متتابعة، كما سيأتي في خبر بعث علي بن أبي طالب
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٩٧) ↗