سورة التوبة · الآية ١٢١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى - حاثا لأهل المدينة المنورة من المهاجرين، والأنصار، ومن حولهم من الأعراب، الذين أسلموا فحسن إسلامهم -: { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله } أي: ما ينبغي لهم ذلك، ولا يليق بأحوالهم. { ولا يرغبوا بأنفسهم } في بقائها وراحتها، وسكونه { عن نفسه } الكريمة الزكية، بل النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فعلى كل مسلم أن يفدي النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه ويقدمه عليها، فعلامة تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم ومحبته والإيمان التام به، أن لا يتخلفوا عنه، ثم ذكر الثواب الحامل على الخروج، فقال: { ذلك بأنهم } أي: المجاهدين في سبيل الله { لا يصيبهم ظمأ ولا نصب } أي: تعب ومشقة { ولا مخمصة في سبيل الله } أي: مجاعة. { ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار } من الخوض لديارهم والاستيلاء على أوطانهم، { ولا ينالون من عدو نيلا } كالظفر بجيش أو سرية أو الغنيمة لمال { إلا كتب لهم به عمل صالح } لأن هذه آثار ناشئة عن أعمالهم. { إن الله لا يضيع أجر المحسنين } الذين أحسنوا في مبادرتهم إلى أمر الله، وقيامهم بما عليهم من حقه وحق خلقه، فهذه الأعمال آثار من آثار عملهم. ثم قال: { ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا } في ذهابهم إلى عدوهم { إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون }. ومن ذلك هذه الأعمال، إذا أخلصوا فيها لله، ونصحوا فيها، ففي هذه الآيات أشد ترغيب وتشويق للنفوس إلى الخروج إلى الجهاد في سبيل الله، والاحتساب لما يصيبهم فيه من المشقات، وأن ذلك لهم رفعة درجات، وأن الآثار المترتبة على عمل العبد له فيها أجر كبير.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التوبة ١٢٠–١٢١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{ولا يقطعون واديا} أي: في السير إلى الأعداء {إلا كتب لهم} ولم يقل ها هنا "به" لأن هذه أفعال صادرة عنهم؛ ولهذا قال: {ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون} . وقد حصل لأمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله عنه، من هذه الآية الكريمة حظ وافر، ونصيب عظيم، وذلك أنه أنفق في هذه الغزوة النفقات الجليلة، والأموال الجزيلة، كما قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا أبو موسى العنزي، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني سكن بن المغيرة، حدثني الوليد بن أبي هاشم، عن فرقد أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن خباب السلمي قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحث على جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان، رضي الله عنه: علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها. قال: ثم حث، فقال عثمان: علي مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: ثم نزل مرقاة من المنبر ثم حث، فقال عثمان بن عفان: على مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بيده هكذا -يحركها. وأخرج عبد الصمد يده كالمتعجب: "ما على عثمان ما عمل بعد هذا". (1) وقال عبد الله أيضا: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ضمرة، حدثنا عبد الله بن شوذب، عن عبد الله بن القاسم، عن كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة، عن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار في ثوبه حين (2) جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة قال: فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها بيده ويقول: "ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم". يرددها مرارا. (3) وقال قتادة في قوله تعالى: {ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم} الآية: ما ازداد قوم من أهليهم في سبيل الله بعدا إلا ازدادوا من الله قربا. هذا بيان من الله تعالى لما أراد من نفير الأحياء مع الرسول في غزوة تبوك، فإنه قد ذهب طائفة من السلف إلى أنه كان يجب النفير على كل مسلم إذا خرج رسول الله صلى الله عليه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
مع رسول الله في غزوه واديا إلا كتب لهم أجر عملهم ذلك، جزاء لهم عليه كأحسن ما يجزيهم على أحسن أعمالهم التي كانوا يعملونها وهم مقيمون في منازلهم. كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة} [التوبة: 121] . . الآية، قال: ما ازداد قوم من أهليهم في سبيل الله بعدا إلا ازدادوا من الله قربا "
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٧٥) ↗التحرير والتنوير
ووطئتنا وطئا على حنق ... وطء المقيد نابت الهرم وهو أوفق بإسناد الوطء إليهم. والنيل: مصدر (ينالون) . يقال: نال منه إذا أصابه برزء. وبذلك لا يقدر له مفعول. وحرف (من) مستعمل في التبعيض المجازي المتحقق في الرزية. ورزء العدو يكون من ذوات الأعداء بالأسر، ويكون من متاعهم وأموالهم بالسبي والغنم. والاستثناء مفرغ من عموم الأحوال. فجملة: كتب لهم به عمل صالح في موضع الحال، وأغنى حرف الاستثناء عن اقترانها بقد. والضمير في (به) عائد على (نصب) وما عطف عليه إما بتأويل المذكور وإما لأن إعادة حرف النفي جعلت كل معطوف كالمستقل بالذكر، فأعيد الضمير على كل واحد على البدل كما يعاد الضمير مفردا على المتعاطفات ب (أو) باعتبار أن ذلك المتعدد لا يكون في نفس الأمر إلا واحد منه. ومعنى: كتب لهم به عمل صالح أن يكتب لهم بكل شيء من أنواع تلك الأعمال عمل صالح، أي جعل الله كل عمل من تلك الأعمال عملا صالحا وإن لم يقصد به عاملوه تقربا إلى الله فإن تلك الأعمال تصدر عن أصحابها وهم ذاهلون في غالب الأزمان أو جميعها عن الغاية منها فليست لهم نيات بالتقرب بها إلى الله ولكن الله تعالى بفضله جعلها لهم قربات باعتبار شرف الغاية منها. وذلك بأن جعل لهم عليها ثوابا كما جعل للأعمال المقصود بها القربة، كما ورد أن نوم الصائم عبادة. وقد دل على هذا المعنى التذييل الذي أفاد التعليل بقوله: إن الله لا يضيع أجر المحسنين. ودل هذا التذييل على أنهم كانوا بتلك الأعمال محسنين فدخلوا في عموم قضية إن الله لا يضيع أجر المحسنين بوجه الإيجاز. [121] 121] ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون (121) عطف على جملة لا يصيبهم ظمأ، وهو انتقال من عداد الكلف التي تصدر عنهم بلا قصد في سبيل الله إلى بعض الكلف التي لا تخلو عن استشعار من تحل بهم بأنهم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٥٧) ↗