البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

سورة التوبة · الآية ١١٧

﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى أنه من لطفه وإحسانه { تاب الله على النبي } محمد صلى الله عليه وسلم { والمهاجرين والأنصار } فغفر لهم الزلات، ووفر لهم الحسنات، ورقاهم إلى أعلى الدرجات، وذلك بسبب قيامهم بالأعمال الصعبة الشاقات، ولهذا قال: { الذين اتبعوه في ساعة العسرة } أي: خرجوا معه لقتال الأعداء في وقعة " تبوك " وكانت في حر شديد، وضيق من الزاد والركوب، وكثرة عدو، مما يدعو إلى التخلف. فاستعانوا الله تعالى، وقاموا بذلك { من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم } أي: تنقلب قلوبهم، ويميلوا إلى الدعة والسكون، ولكن الله ثبتهم وأيدهم وقواهم. وزيغ القلب هو انحرافه عن الصراط المستقيم، فإن كان الانحراف في أصل الدين كان كفرا، وإن كان في شرائعه كان بحسب تلك الشريعة التي زاغ عنها، إما قصر عن فعلها، أو فعلها على غير الوجه الشرعي. وقوله { ثم تاب عليهم } أي: قبل توبتهم { إنه بهم رءوف رحيم } ومن رأفته ورحمته أن من عليهم بالتوبة، وقبلها منهم وثبتهم عليها. { و } كذلك لقد تاب الله { على الثلاثة الذين خلفوا } عن الخروج مع المسلمين في تلك الغزوة، وهم: " كعب بن مالك " وصاحباه، وقصتهم مشهورة معروفة، في الصحاح والسنن. { حتى إذا } حزنوا حزنا عظيما، و { ضاقت عليهم الأرض بما رحبت } أي: على سعتها ورحبها { وضاقت عليهم أنفسهم } التي هي أحب إليهم من كل شيء، فضاق عليهم الفضاء الواسع، والمحبوب الذي لم تجر العادة بالضيق منه، وذلك لا يكون إلا من أمر مزعج، بلغ من الشدة والمشقة ما لا يمكن التعبير عنه، وذلك لأنهم قدموا رضا الله ورضا رسوله على كل شيء. { وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه } أي: تيقنوا وعرفوا بحالهم، أنه لا ينجي من الشدائد ويلجأ إليه، إلا الله وحده لا شريك له، فانقطع تعلقهم بالمخلوقين، وتعلقوا بالله ربهم، وفروا منه إليه، فمكثوا بهذه الشدة نحو خمسين ليلة. { ثم تاب عليهم } أي: أذن في توبتهم ووفقهم لها { ليتوبوا } أي: لتقع منهم، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يرجعهما حتى مالت السماء فأظلت (1) ثم سكبت، فملئوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر. (2) وقال ابن جرير في قوله: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة} أي: من النفقة والظهر والزاد والماء، {من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم} (3) أي: عن الحق ويشك في دين رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرتاب، بالذي نالهم من المشقة والشدة في سفره وغزوه، {ثم تاب عليهم} يقول: ثم رزقهم الإنابة إلى ربهم، والرجوع إلى الثبات على دينه، {إنه بهم رءوف رحيم} . قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي الزهري محمد بن عبد الله، عن عمه محمد بن مسلم الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب بن مالك -وكان قائد كعب من بنيه (1) حين عمى -قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فقال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة غيرها (2) قط إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر، ولم يعاتب أحد تخلف عنها، وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين توافقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا، واستقبل عدوا كثيرا (3) فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

والمهاجرين ديارهم وعشيرتهم إلى دار الإسلام، وأنصار رسوله في الله، الذين اتبعوا رسول الله في ساعة العسرة منهم من النفقة والظهر والزاد والماء {من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم} [التوبة: 117] يقول: من بعد ما كاد يميل قلوب بعضهم عن الحق ويشك في دينه ويرتاب بالذي ناله من المشقة والشدة في سفره وغزوه {ثم تاب عليهم} [التوبة: 117] يقول: ثم رزقهم جل ثناؤه الإنابة والرجوع

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٤٩) ↗

التحرير والتنوير

وعطف المؤمنون أيضا لأنهم شهداء الله في أرضه ولأن هؤلاء لما تابوا قد رجعوا إلى حضيرة جماعة الصحابة فإن عملوا مثلهم كانوا بمحل الكرامة منهم وإلا كانوا ملحوظين منهم بعين الغضب والإنكار. وذلك مما يحذره كل أحد هو من قوم يرمقونه شزرا ويرونه قد جاء نكرا. والرؤية المسندة إلى الله تعالى رؤية مجازية. وهي تعلق العلم بالواقعات سواء كانت ذوات مبصرات أم كانت أحداثا مسموعات ومعاني مدركات، وكذلك الرؤية المسندة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين المعنى المجزى لقوله: عملكم. وجملة: وستردون إلى عالم الغيب والشهادة من جملة المقول. وهو وعد ووعيد معا على حسب الأعمال، ولذلك جاء فيه بما كنتم تعملون وقد تقدم القول في نظيره آنفا. [106] وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم (106) هذا فريق آخر عطف خبره على خبر الفرق الآخرين. والمراد بهؤلاء من بقي من المخلفين لم يتب الله عليه، وكان أمرهم موقوفا إلى أن يقضي الله بما يشاء. وهؤلاء نفر ثلاثة، هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وثلاثتهم قد تخلفوا عن غزوة تبوك. ولم يكن تخلفهم نفاقا ولا كراهية للجهاد ولكنهم شغلوا عند خروج الجيش وهم يحسبون أنهم يلحقونه وانقضت الأيام وأيسوا من اللحاق. وسأل عنهم النبيء صلى الله عليه وسلم وهو في تبوك. فلما رجع النبيء صلى الله عليه وسلم أتوه وصدقوه، فلم يكلمهم، ونهى المسلمين عن كلامهم ومخالطتهم، وأمرهم باعتزال نسائهم، فامتثلوا وبقوا كذلك خمسين ليلة، فهم في تلك المدة مرجون لأمر الله. وفي تلك المدة نزلت هذه الآية ثم تاب الله عليهم [المائدة: 71] . وأنزل فيهم قوله: لقد تاب الله على النبيء والمهاجرين والأنصار- إلى قوله- وكونوا مع الصادقين [التوبة: 117- 119] . وعن كعب بن مالك في قصته هذه حديث طويل أغر في «صحيح البخاري» .

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٢٦) ↗