البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

سورة التوبة · الآية ١١٤

﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يعني: ما يليق ولا يحسن للنبي وللمؤمنين به { أن يستغفروا للمشركين } أي: لمن كفر به وعبد معه غيره { ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } فإن الاستغفار لهم في هذه الحال غلط غير مفيد، فلا يليق بالنبي والمؤمنين، لأنهم إذا ماتوا على الشرك، أو علم أنهم يموتون عليه، فقد حقت عليهم كلمة العذاب، ووجب عليهم الخلود في النار، ولم تنفع فيهم شفاعة الشافعين، ولا استغفار المستغفرين. وأيضا فإن النبي والذين آمنوا معه، عليهم أن يوافقوا ربهم في رضاه وغضبه، ويوالوا من والاه الله، ويعادوا من عاداه الله، والاستغفار منهم لمن تبين أنه من أصحاب النار مناف لذلك، مناقض له، ولئن وجد الاستغفار من خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام لأبيه فإنه { عن موعدة وعدهآ إياه } في قوله: سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا [مريم: 47] وذلك قبل أن يعلم عاقبة أبيه. فلما تبين لإبراهيم أن أباه عدو لله، سيموت على الكفر، ولم ينفع فيه الوعظ والتذكير { تبرأ منه } موافقة لربه وتأدبا معه. { إن إبراهيم لأواه } أي: رجاع إلى الله في جميع الأمور، كثير الذكر والدعاء والاستغفار والإنابة إلى ربه. { حليم } أي: ذو رحمة بالخلق، وصفح عما يصدر منهم إليه من الزلات، لا يستفزه جهل الجاهلين، ولا يقابل الجاني عليه بجرمه، فأبوه قال له: لأرجمنك [مريم: 46] وهو يقول له: سلام عليك سأستغفر لك ربي [مريم: 47]. فعليكم أن تقتدوا، وتتبعوا ملة إبراهيم في كل شيء إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك [الممتحنة: 4] كما نبهكم الله عليها وعلى غيرها، ولهذا قال: { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم... }.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التوبة ١١٣–١١٤) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

فزوروها، لتذكركم زيارتها خيرا، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فكلوا وأمسكوا ما شئتم، ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية، فاشربوا في أي وعاء (1) ولا تشربوا مسكرا". (2) وروى ابن جرير، من حديث علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أتى رسم قبر، فجلس إليه، فجعل يخاطب، ثم قام مستعبرا. فقلنا: يا رسول الله، إنا رابنا ما صنعت. قال: "إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي، فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي". فما رئي باكيا أكثر من يومئذ. (3) وقال ابن أبي حاتم، في تفسيره: حدثنا أبي، حدثنا خالد بن خداش، حدثنا عبد الله بن وهب، عن ابن جريج عن أيوب بن هانئ، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما إلى المقابر، فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها، فناجاه طويلا ثم بكى فبكينا لبكائه ثم قام فقام إليه عمر بن الخطاب، فدعاه ثم دعانا، فقال: "ما أبكاكم؟ " فقلنا: بكينا لبكائك. قال: "إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي" (4) ثم أورده من وجه آخر، ثم ذكر من حديث ابن مسعود قريبا منه، وفيه: "وإني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي، وأنزل علي: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة، وكنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكر الآخرة". (5) حديث آخر في معناه: قال الطبراني: حدثنا محمد بن علي المروزي، حدثنا أبو الدرداء عبد العزيز (6) بن منيب، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أقبل من غزوة تبوك واعتمر، فلما هبط من ثنية عسفان أمر أصحابه: أن استندوا إلى العقبة حتى أرجع إليكم، فذهب فنزل على قبر أمه، فناجى ربه طويلا ثم إنه بكى فاشتد بكاؤه، وبكى هؤلاء لبكائه، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

ذكره: ما كان ينبغي للنبي محمد صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا به أن يستغفروا، يقول: أن يدعوا بالمغفرة للمشركين، ولو كان المشركون الذين يستغفرون لهم أولي قربى، ذوي قرابة لهم. {من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} [التوبة: 113] يقول: من بعد ما ماتوا على شركهم بالله وعبادة الأوثان تبين لهم أنهم من أهل النار؛ لأن الله قد قضى أن لا يغفر لمشرك فلا ينبغي لهم أن يسألوا ربهم أن يفعل ما قد علموا أنه لا يفعله فإن قالوا: فإن إبراهيم قد استغفر لأبيه، وهو مشرك، فلم يكن استغفار إبراهيم لأبيه إلا لموعدة وعدها إياه {فلما تبين له} [البقرة: 259] وعلم أنه لله عدو خلاه وترك الاستغفار له، وآثر الله وأمره عليه، فتبرأ منه حين تبين له أمره واختلف أهل التأويل في السبب الذي نزلت هذه الآية فيه، فقال بعضهم: نزلت في شأن أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر له بعد موته، فنهاه الله عن ذلك.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/١٩) ↗

التحرير والتنوير

ويدخل في المشركين المنافقون الذين علم النبيء صلى الله عليه وسلم نفاقهم والذين علم المسلمون نفاقهم بتحقق الصفات التي أعلنت عليهم في هذه السورة وغيرها. وزيادة ولو كانوا أولي قربى للمبالغة في استقصاء أقرب الأحوال إلى المعذرة، كما هو مفاد (لو) الوصلية، أي فأولى إن لم يكونوا أولي قربى. وهذه المبالغة لقطع المعذرة عن المخالف، وتمهيد لتعليم من اغتر بما حكاه القرآن من استغفار إبراهيم لأبيه في نحو قوله تعالى: واغفر لأبي إنه كان من الضالين [الشعراء: 86] . ولذلك عقبه بقوله: وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه [التوبة: 114] إلخ. وقد تقدم الكلام على (لو) الاتصالية عند قوله تعالى: ولو افتدى به في سورة آل عمران [91] . [114] 114] وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم (114) معطوفة على جملة ما كان للنبيء [التوبة: 113] إلخ. وهي من تمام الآية باعتبار ما فيها من قوله: ولو كانوا أولي قربى [التوبة: 113] إذ كان شأن ما لا ينبغي لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام أن لا ينبغي لغيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام لأن معظم أحكامهم متحدة إلا ما خص به نبينا من زيادة الفضل. وهذه من مسألة (أن شرع من قبلنا شرع لنا) فلا جرم ما كان ما ورد من استغفار إبراهيم قد يثير تعارضا بين الآيتين، فلذلك تصدى القرآن للجواب عنه. وقد تقدم آنفا ما روي أن هذه سبب نزول الآية. والموعدة: اسم للوعد. والوعد صدر من أبي إبراهيم لا محالة، كما يدل عليه الاعتذار لإبراهيم لأنه لو كان إبراهيم هو الذي وعد أباه بالاستغفار وكان استغفاره له للوفاء بوعده لكان يتجه من السؤال على الوعد بذلك وعلى الوفاء به ما اتجه على وقوع الاستغفار له. فالتفسير الصحيح أن أبا إبراهيم وعد إبراهيم بالإيمان، فكان بمنزلة المؤلفة قلوبهم بالاستغفار له لأنه ظنه مترددا في عبادة الأصنام …

أكمل القراءة في الكتاب ↗