البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الفجر · الآية ٢٨

﴿ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{ كلا } أي: ليس [كل] ما أحببتم من الأموال، وتنافستم فيه من اللذات، بباق لكم، بل أمامكم يوم عظيم، وهول جسيم، تدك فيه الأرض والجبال وما عليها حتى تجعل قاعا صفصفا لا عوج فيه ولا أمت. ويجيء الله تعالى لفصل القضاء بين عباده في ظلل من الغمام، وتجيء الملائكة الكرام، أهل السماوات كلهم، صفا صفا أي: صفا بعد صف، كل سماء يجيء ملائكتها صفا، يحيطون بمن دونهم من الخلق، وهذه الصفوف صفوف خضوع وذل للملك الجبار، { وجيء يومئذ بجهنم } تقودها الملائكة بالسلاسل. فإذا وقعت هذه الأمور ف { يومئذ يتذكر الإنسان } ما قدمه من خير وشر. { وأنى له الذكرى } فقد فات أوانها، وذهب زمانها، يقول متحسرا على ما فرط في جنب الله: { يليتني قدمت لحياتي } الدائمة الباقية، عملا صالحا، كما قال تعالى: يقول يليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا [الفرقان: 27-28]. وفي الآية دليل على أن الحياة التي ينبغي السعي في أصلها وكمالها، وفي تتميم لذاتها، هي الحياة في دار القرار، فإنها دار الخلد والبقاء، { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد } لمن أهمل ذلك اليوم ونسي العمل له، { ولا يوثق وثاقه أحد } فإنهم يقرنون بسلاسل من نار، ويسحبون على وجوههم في الحميم، ثم في النار يسجرون، فهذا جزاء المجرمين، وأما من اطمأن إلى الله وآمن به وصدق رسله، فيقال له: { يأيتها النفس المطمئنة } إلى ذكر الله، الساكنة [إلى] حبه، التي قرت عينها بالله. { ارجعي إلى ربك } الذي رباك بنعمته، وأسدى عليك من إحسانه ما صرت به من أوليائه وأحبابه { راضية مرضية } أي: راضية عن الله، وعن ما أكرمها به من الثواب، والله قد رضي عنها. { فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي } وهذا تخاطب به الروح يوم القيامة، وتخاطب به حال الموت [والحمد لله رب العالمين].

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الفجر ٢١–٣٠) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقوله: {يومئذ يتذكر الإنسان} أي: عمله وما كان أسلفه في قديم دهره وحديثه، {وأنى له الذكرى} أي: وكيف تنفعه الذكرى؟ {يقول يا ليتني قدمت لحياتي} يعني: يندم على ما كان سلف منه من المعاصي -إن كان عاصيا-ويود لو كان ازداد من الطاعات -إن كان طائعا-كما قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله -يعني ابن المبارك-حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن محمد بن أبي عميرة -وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم-قال: لو أن عبدا خر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرما في طاعة الله، لحقره يوم القيامة، ولود أنه يرد إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب. ورواه بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عتبة بن عبد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) . قال الله تعالى: {فيومئذ لا يعذب عذابه أحد} أي: ليس أحد أشد عذابا من تعذيب الله من عصاه، {ولا يوثق وثاقه أحد} أي: وليس أحد أشد قبضا ووثقا من الزبانية لمن كفر بربهم، عز وجل، هذا في حق المجرمين من الخلائق والظالمين (2) فأما النفس الزكية المطمئنة وهي الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق فيقال لها: {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك} أي: إلى جواره وثوابه وما أعد لعباده في جنته، {راضية} أي: في نفسها {مرضية} أي: قد رضيت عن الله ورضي عنها وأرضاها، {فادخلي في عبادي} أي: في جملتهم، {وادخلي جنتي} وهذا يقال لها عند الاحتضار، وفي يوم القيامة أيضا، كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من قبره، وكذلك هاهنا. ثم اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية، فروى الضحاك، عن ابن عباس: نزلت في عثمان بن عفان. وعن بريدة بن الحصيب: نزلت في حمزة بن عبد المطلب، رضي الله عنه. وقال العوفي، عن ابن عباس: يقال للأرواح المطمئنة يوم القيامة: {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك} يعني: صاحبك، وهو بدنها الذي كانت تعمره في الدنيا، {راضية …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

الصالحات من الأعمال في الدنيا التي تورثه بقاء الأبد، في نعيم لا انقطاع له: {يا ليتني قدمت لحياتي} [الفجر: 24] في الدنيا من صالح الأعمال لحياتي هذه، التي لا موت PageEndV24P391 بعدها، ما ينجيني من غضب الله، ويوجب لي رضوانه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٣٩٠) ↗

التحرير والتنوير

عذابا لا نظير له في أصناف عذاب المعذبين على معنى قوله تعالى: فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين [المائدة: 115] والمراد في شدته. وهذا بالنسبة لبني الإنسان، وأما عذاب الشياطين فهو أشد لأنهم أشد كفرا وأحد يستعمل في النفي لاستغراق جنس الإنسان فأحد في سياق النفي يعم كل أحد قال تعالى: يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله [الانفطار: 19] فانحصر الأحد المعذب (بكسر الذال) في فرد وهو الله تعالى. وقرأه الكسائي ويعقوب بفتح ذال يعذب وفتح ثاء يوثق مبنيين للنائب. وعن أبي قلابة قال: «حدثني من أقرأه النبيء صلى الله عليه وسلم أنه قرأ يعذب ويوثق بفتح الذال وفتح الثاء» . قال الطبري: وإسناده واه وأقول أغنى عن تصحيح إسناده تواتر القراءة به في بعض الروايات العشر وكلها متواتر. والمعنى: لا يعذب أحد مثل عذاب ما يعذب به ذلك الإنسان المتحسر يومئذ، ولا يوثق أحد مثل وثاقه، ف أحد هنا بمنزلة «أحدا» في قوله تعالى: فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين [المائدة: 115] . والوثاق بفتح الواو اسم مصدر أوثق وهو الربط ويجعل للأسير والمقود إلى القتل. فيجعل لأهل النار وثاق يساقون به إلى النار قال تعالى: إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم [غافر: 71، 72] الآية. وانتصاب وثاقه كانتصاب عذابه على المفعولية المطلقة لمعنى التشبيه. [27- 30] يا أيتها النفس المطمئنة (27) ارجعي إلى ربك راضية مرضية (28) فادخلي في عبادي (29) وادخلي جنتي (30) لما استوعب ما اقتضاه المقام من الوعيد والتهديد والإنذار ختم الكلام بالبشارة للمؤمنين الذين تذكروا بالقرآن واتبعوا هديه على عادة القرآن في تعقيب النذارة بالبشارة والعكس فإن ذلك مما يزيد رغبة الناس في فعل الخير ورهبتهم من أفعال الشر.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٣٤٠) ↗