سورة الفجر · الآية ٢١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ كلا } أي: ليس [كل] ما أحببتم من الأموال، وتنافستم فيه من اللذات، بباق لكم، بل أمامكم يوم عظيم، وهول جسيم، تدك فيه الأرض والجبال وما عليها حتى تجعل قاعا صفصفا لا عوج فيه ولا أمت. ويجيء الله تعالى لفصل القضاء بين عباده في ظلل من الغمام، وتجيء الملائكة الكرام، أهل السماوات كلهم، صفا صفا أي: صفا بعد صف، كل سماء يجيء ملائكتها صفا، يحيطون بمن دونهم من الخلق، وهذه الصفوف صفوف خضوع وذل للملك الجبار، { وجيء يومئذ بجهنم } تقودها الملائكة بالسلاسل. فإذا وقعت هذه الأمور ف { يومئذ يتذكر الإنسان } ما قدمه من خير وشر. { وأنى له الذكرى } فقد فات أوانها، وذهب زمانها، يقول متحسرا على ما فرط في جنب الله: { يليتني قدمت لحياتي } الدائمة الباقية، عملا صالحا، كما قال تعالى: يقول يليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا [الفرقان: 27-28]. وفي الآية دليل على أن الحياة التي ينبغي السعي في أصلها وكمالها، وفي تتميم لذاتها، هي الحياة في دار القرار، فإنها دار الخلد والبقاء، { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد } لمن أهمل ذلك اليوم ونسي العمل له، { ولا يوثق وثاقه أحد } فإنهم يقرنون بسلاسل من نار، ويسحبون على وجوههم في الحميم، ثم في النار يسجرون، فهذا جزاء المجرمين، وأما من اطمأن إلى الله وآمن به وصدق رسله، فيقال له: { يأيتها النفس المطمئنة } إلى ذكر الله، الساكنة [إلى] حبه، التي قرت عينها بالله. { ارجعي إلى ربك } الذي رباك بنعمته، وأسدى عليك من إحسانه ما صرت به من أوليائه وأحبابه { راضية مرضية } أي: راضية عن الله، وعن ما أكرمها به من الثواب، والله قد رضي عنها. { فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي } وهذا تخاطب به الروح يوم القيامة، وتخاطب به حال الموت [والحمد لله رب العالمين].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الفجر ٢١–٣٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقوله: {يومئذ يتذكر الإنسان} أي: عمله وما كان أسلفه في قديم دهره وحديثه، {وأنى له الذكرى} أي: وكيف تنفعه الذكرى؟ {يقول يا ليتني قدمت لحياتي} يعني: يندم على ما كان سلف منه من المعاصي -إن كان عاصيا-ويود لو كان ازداد من الطاعات -إن كان طائعا-كما قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله -يعني ابن المبارك-حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن محمد بن أبي عميرة -وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم-قال: لو أن عبدا خر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرما في طاعة الله، لحقره يوم القيامة، ولود أنه يرد إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب. ورواه بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عتبة بن عبد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) . قال الله تعالى: {فيومئذ لا يعذب عذابه أحد} أي: ليس أحد أشد عذابا من تعذيب الله من عصاه، {ولا يوثق وثاقه أحد} أي: وليس أحد أشد قبضا ووثقا من الزبانية لمن كفر بربهم، عز وجل، هذا في حق المجرمين من الخلائق والظالمين (2) فأما النفس الزكية المطمئنة وهي الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق فيقال لها: {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك} أي: إلى جواره وثوابه وما أعد لعباده في جنته، {راضية} أي: في نفسها {مرضية} أي: قد رضيت عن الله ورضي عنها وأرضاها، {فادخلي في عبادي} أي: في جملتهم، {وادخلي جنتي} وهذا يقال لها عند الاحتضار، وفي يوم القيامة أيضا، كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من قبره، وكذلك هاهنا. ثم اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية، فروى الضحاك، عن ابن عباس: نزلت في عثمان بن عفان. وعن بريدة بن الحصيب: نزلت في حمزة بن عبد المطلب، رضي الله عنه. وقال العوفي، عن ابن عباس: يقال للأرواح المطمئنة يوم القيامة: {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك} يعني: صاحبك، وهو بدنها الذي كانت تعمره في الدنيا، {راضية …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
قولهم: قد جم الماء في الحوض: إذا اجتمع، ومنه قول زهير بن أبي سلمى: [البحر الطويل] فلما وردن الماء زرقا جمامه %~% وضعن عصي الحاضر المتخيم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٣٨٢) ↗التحرير والتنوير
[21- 26] 26] كلا إذا دكت الأرض دكا دكا (21) وجاء ربك والملك صفا صفا (22) وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى (23) يقول يا ليتني قدمت لحياتي (24) فيومئذ لا يعذب عذابه أحد (25) ولا يوثق وثاقه أحد (26) كلا: زجر وردع عن الأعمال المعدودة قبله، وهي عدم إكرامهم اليتيم وعدم حضهم على طعام المسكين، وأكلهم التراث الذي هو مال غير آكله، وعن حب المال حبا جما. إذا دكت الأرض دكا دكا 21 وجاء ربك والملك صفا صفا 22 وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى 23 يقول يا ليتني قدمت لحياتي 24 فيومئذ لا يعذب عذابه أحد 25 ولا يوثق وثاقه أحد 26 استئناف ابتدائي انتقل به من تهديدهم بعذاب الدنيا الذي في قوله: ألم تر كيف فعل ربك بعاد [الفجر: 6] الآيات إلى الوعيد بعذاب الآخرة. فإن استخفوا بما حل بالأمم قبلهم أو أمهلوا فأخر عنهم العذاب في الدنيا فإن عذابا لا محيص لهم عنه ينتظرهم يوم القيامة حين يتذكرون قسرا فلا ينفعهم التذكر، ويندمون ولات ساعة مندم. فحاصل الكلام السابق أن الإنسان الكافر مغرور ينوط الحوادث بغير أسبابها، ويتوهمها على غير ما بها ولا يصغي إلى دعوة الرسل فيستمر طول حياته في عماية، وقد زجروا عن ذلك زجرا مؤكدا. وأتبع زجرهم إنذارا بأنهم يحين لهم يوم يفيقون فيه من غفلتهم حين لا تنفع الإفاقة. والمقصود من هذا الكلام هو قوله: فيومئذ لا يعذب عذابه أحد، وقوله يا أيتها النفس المطمئنة [الفجر: 27] ، وأما ما سبق من قوله إذا دكت الأرض إلى قوله وجيء يومئذ بجهنم فهو توطئة وتشويق لسماع ما يجيء بعده وتهويل لشأن ذلك اليوم وهو الوقت الذي عرف بإضافة جملة دكت الأرض وما بعدها من الجمل وقد عرف بأشراط حلوله وبما يقع فيه من هول العقاب.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٣٣٥) ↗