سورة الفجر · الآية ١٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن طبيعة الإنسان من حيث هو، وأنه جاهل ظالم، لا علم له بالعواقب، يظن الحالة التي تقع فيه تستمر ولا تزول، ويظن أن إكرام الله في الدنيا وإنعامه عليه يدل على كرامته عنده وقربه منه، وأنه إذا { قدر عليه رزقه } أي: ضيقه، فصار يقدر قوته لا يفضل منه، أن هذا إهانة من الله له، فرد الله عليه هذا الحسبان: بقوله { كلا } أي: ليس كل من نعمته في الدنيا فهو كريم علي، ولا كل من قدرت عليه رزقه فهو مهان لدي، وإنما الغنى والفقر، والسعة والضيق، ابتلاء من الله، وامتحان يمتحن به العباد، ليرى من يقوم له بالشكر والصبر، فيثيبه على ذلك الثواب الجزيل، ممن ليس كذلك فينقله إلى العذاب الوبيل. وأيضا، فإن وقوف همة العبد عند مراد نفسه فقط، من ضعف الهمة، ولهذا لامهم الله على عدم اهتمامهم بأحوال الخلق المحتاجين، فقال: { كلا بل لا تكرمون اليتيم } الذي فقد أباه وكاسبه، واحتاج إلى جبر خاطره والإحسان إليه. فأنتم لا تكرمونه بل تهينونه، وهذا يدل على عدم الرحمة في قلوبكم، وعدم الرغبة في الخير. { ولا تحآضون على طعام المسكين } أي: لا يحض بعضكم بعضا على إطعام المحاويج من المساكين والفقراء، وذلك لأجل الشح على الدنيا ومحبتها الشديدة المتمكنة من القلوب، ولهذا قال: { وتأكلون التراث } أي: المال المخلف { أكلا لما } أي: ذريعا، لا تبقون على شيء منه. { وتحبون المال حبا جما } أي: كثيرا شديدا، وهذا كقوله تعالى: بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى [الأعلى: 16-17] كلا بل تحبون العاجلة * وتذرون الآخرة [القيامة: 20-21].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الفجر ١٥–٢٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{ولا تحاضون على طعام المسكين} يعني: لا يأمرون بالإحسان إلى الفقراء والمساكين، ويحث بعضهم على بعض في ذلك، {وتأكلون التراث} يعني: الميراث {أكلا لما} أي: من أي جهة حصل لهم، من حلال أو حرام، {وتحبون المال حبا جما} أي: كثيرا -زاد بعضهم: فاحشا. يخبر تعالى عما يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة، فقال: {كلا} أي: حقا {إذا دكت الأرض دكا دكا} أي: وطئت ومهدت وسويت الأرض والجبال، وقام الخلائق من قبورهم لربهم، {وجاء ربك} يعني: لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعد ما يستشفعون (1) إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد صلى الله عليه وسلم، بعدما يسألون أولي العزم من الرسل واحدا بعد واحد، فكلهم يقول: لست بصاحب ذاكم، حتى تنتهي النوبة إلى محمد صلى الله عليه وسلم (2) فيقول: "أنا لها، أنا لها". فيذهب فيشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء فيشفعه الله في ذلك، وهي أول الشفاعات، وهي المقام المحمود كما تقدم بيانه في سورة "سبحان" (3) فيجيء الرب تعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفا صفوفا. وقوله: {وجيء يومئذ بجهنم} قال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا عمر بن حفص بن (4) غياث، حدثنا أبي، عن العلاء بن خالد الكاهلي، عن شقيق، عن عبد الله -هو ابن مسعود-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها". وهكذا رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن عمر بن حفص، به (5) ورواه أيضا عن عبد بن حميد، عن أبي عامر، عن سفيان الثوري، عن العلاء بن خالد، عن شقيق ابن سلمة -وهو أبو وائل-عن عبد الله بن مسعود، قوله ولم يرفعه (6) وكذا رواه ابن جرير، عن الحسن بن عرفة، عن مروان بن معاوية الفزاري، عن العلاء بن خالد، عن شقيق، عن عبد الله، قوله (7) .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٣٩٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[الفجر: 17]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٣٧٦) ↗التحرير والتنوير
[15- 20] 20] فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن (15) وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16) كلا بل لا تكرمون اليتيم (17) ولا تحاضون على طعام المسكين (18) وتأكلون التراث أكلا لما (19) وتحبون المال حبا جما (20) فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن (15) وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16) . كلا دلت الفاء على أن الكلام الواقع بعدها متصل بما قبلها ومتفرع عليه لا محالة. ودلت (أما) على معنى: مهما يكن من شيء، وذلك أصل معناها ومقتضى استعمالها، فقوي بها ارتباط جوابها بما قبلها وقبل الفاء المتصلة بها، فلاح ذلك برقا وامضا، وانجلى بلمعه ما كان غامضا، إذ كان تفريع ما بعد هذه الفاء على ما قبلها خفيا، فلنبينه بيانا جليا، ذلك أن الكلام السابق اشتمل على وصف ما كانت تتمتع به الأمم الممثل بها مما أنعم الله عليها به من النعم، وهم لاهون عن دعوة رسل الله، ومعرضون عن طلب مرضاة ربهم، مقتحمون المناكر التي نهوا عنها، بطرون بالنعمة، معجبون بعظمتهم فعقب ذكر ما كانوا عليه وما جازاهم الله به عليه من عذاب في الدنيا، باستخلاص العبرة وهو تذكير المشركين بأن حالهم مماثل لحال أولئك ترفا وطغيانا وبطرا، وتنبيههم على خطاهم إذ كانت لهم من حال الترف والنعمة شبهة توهموا بها أن الله جعلهم محل كرامة، فحسبوا أن إنذار الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم بالعذاب ليس بصدق لأنه يخالف ما هو واقع لهم من النعمة، فتوهموا أن فعل الله بهم أدل على كرامتهم عنده مما يخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله أمرهم بخلاف ما هم عليه، ونفوا أن يكون بعد هذا العالم عالم آخر يضاده، وقصروا عطاء الله على ما عليه عباده في هذه الحياة الدنيا، فكان هذا الوهم مسولا لهم التكذيب بما أنذروا به من وعيد، وبما يسر المؤمنون من ثواب في الآخرة، فحصروا جزاء الخير في الثروة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗