سورة الغاشية · الآية ١٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يذكر تعالى أحوال يوم القيامة وما فيها من الأهوال الطامة، وأنها تغشى الخلائق بشدائدها، فيجازون بأعمالهم، ويتميزون [إلى] فريقين: فريقا في الجنة، وفريقا في السعير. فأخبر عن وصف كلا الفريقين، فقال في [وصف] أهل النار: { وجوه يومئذ } أي: يوم القيامة { خاشعة } من الذل والفضيحة والخزي. { عاملة ناصبة } أي: تاعبة في العذاب، تجر على وجوهها، وتغشى وجوههم النار. ويحتمل أن المراد [بقوله:] { وجوه يومئذ خاشعة * عاملة ناصبة } في الدنيا لكونهم في الدنيا أهل عبادات وعمل، ولكنه لما عدم شرطه وهو الإيمان، صار يوم القيامة هباء منثورا، وهذا الاحتمال وإن كان صحيحا من حيث المعنى، فلا يدل عليه سياق الكلام، بل الصواب المقطوع به هو الاحتمال الأول، لأنه قيده بالظرف، وهو يوم القيامة، ولأن المقصود هنا بيان وصف أهل النار عموما، وذلك الاحتمال جزء قليل من أهل النار بالنسبة إلى أهلها ولأن الكلام في بيان حال الناس عند غشيان الغاشية، فليس فيه تعرض لأحوالهم في الدنيا. وقوله: { تصلى نارا حامية } أي: شديدا حرها، تحيط بهم من كل مكان، { تسقى من عين آنية } أي: حارة شديدة الحرارة وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه [الكهف: 29] فهذا شرابهم. وأما طعامهم ف { ليس لهم طعام إلا من ضريع * لا يسمن ولا يغني من جوع } وذلك أن المقصود من الطعام أحد أمرين: إما أن يسد جوع صاحبه ويزيل عنه ألمه، وإما أن يسمن بدنه من الهزال، وهذا الطعام ليس فيه شيء من هذين الأمرين، بل هو طعام في غاية المرارة والنتن والخسة، نسأل الله العافية. وأما أهل الخير، فوجوههم يوم القيامة { ناعمة } أي: قد جرت عليهم نضرة النعيم، فنضرت أبدانهم، واستنارت وجوههم، وسروا غاية السرور، { لسعيها } الذي قدمته في الدنيا من الأعمال الصالحة، والإحسان إلى عباد الله، { راضية } إذ وجدت ثوابه مدخرا مضاعفا، فحمدت عقباه، وحصل لها كل ما تتمناه، وذلك أنها { في جنة } جامعة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… حديث ابن عمر حين سئل عن النجوى، فقال: سمعت النبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يدني الله العبد يوم القيامة، فيقرره بذنوبه كلها، حتى إذا رأى أنه قد هلك قال الله: إني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. ثم يعطى كتاب حسناته بيمينه، وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين} [هود: 18] (3) . وقوله: {إني ظننت أني ملاق حسابيه} أي: قد كنت موقنا في الدنيا أن هذا اليوم كائن لا محالة، كما قال: {الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم} [البقرة: 46] . قال الله: {فهو في عيشة راضية} أي: مرضية، {في جنة عالية} أي: رفيعة قصورها، حسان حورها، نعيمة دورها، دائم حبورها. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو عتبة الحسن بن علي بن مسلم السكوني، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام الأسود قال: سمعت أبا أمامة قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل يتزاور أهل الجنة؟ قال: "نعم، إنه ليهبط أهل الدرجة العليا إلى أهل الدرجة السفلى، فيحيونهم ويسلمون عليهم، ولا يستطيع أهل الدرجة السفلى يصعدون إلى الأعلين، تقصر بهم أعمالهم" (4) وقد ثبت في الصحيح: "إن الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض" (5) . وقوله: {قطوفها دانية} قال البراء بن عازب: أي قريبة، يتناولها أحدهم، وهو نائم على سريره. وكذا قال غير واحد. قال الطبراني: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري] (6) عن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري،
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٢١٤) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
لأن ذلك مدح للعيشة، والعرب تفعل ذلك في المدح والذم فتقول: هذا ليل نائم، وسر كاتم، وماء دافق، فيوجهون الفعل إليه، وهو في الأصل مفعول لما يراد من المدح أو الذم، ومن قال ذلك لم يجز له أن يقول للضارب مضروب، ولا للمضروب ضارب، لأنه لا مدح فيه ولا ذم.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٢٣٣) ↗التحرير والتنوير
والقصر المستفاد من قوله: ليس لهم طعام إلا من ضريع مع قوله تعالى: ولا طعام إلا من غسلين [الحاقة: 36] يؤيد أن الضريع اسم شجر جهنم يسيل منه الغسلين. [8- 10] وجوه يومئذ ناعمة (8) لسعيها راضية (9) في جنة عالية (10) يتبادر في بادىء الرأي أن حق هذه الجملة أن تعطف على جملة وجوه يومئذ خاشعة [الغاشية: 2] بالواو لأنها مشاركة لها في حكم البيان لحديث الغاشية كما عطفت جملة: ووجوه يومئذ عليها غبرة [عبس: 40] على جملة: وجوه يومئذ مسفرة في سورة عبس [38] . فيتجه أن يسأل عن وجه فصلها عن التي قبلها، ووجه الفصل التنبيه على أن المقصود من الاستفهام في هل أتاك حديث الغاشية [الغاشية: 1] الإعلام بحال المعرض بتهديدهم وهم أصحاب الوجوه الخاشعة فلما حصل ذلك الإعلام بجملة: وجوه يومئذ خاشعة [الغاشية: 2] إلى آخرها تم المقصود، فجاءت الجملة بعدها مفصولة لأنها جعلت استئنافا بيانيا جوابا عن سؤال مقدر تثيره الجملة السابقة فيتساءل السامع: هل من حديث الغاشية ما هو مغاير لهذا الهول؟ أي ما هو أنس ونعيم لقوم آخرين. ولهذا النظم صارت هذه الجملة بمنزلة الاستطراد والتتميم، لإظهار الفرق بين حالي الفريقين ولتعقيب النذارة بالبشارة فموقع هذه الجملة المستأنفة موقع الاعتراض ولا تنافي بين الاستئناف والاعتراض وذلك موجب لفصلها عما قبلها. وفيه جري القرآن على سننه من تعقيب الترهيب والترغيب. فأما الجملتان اللتان في سورة عبس فلم يتقدمهما إبهام لأنهما متصلتان معا بالظرف وهو فإذا جاءت الصاخة [عبس: 33] . وقد علم من سياق توجيه الخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أن الوجوه الأولى وجوه المكذبين بالرسول، والوجوه المذكورة بعدها وجوه المؤمنين المصدقين بما جاء به.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٢٩٨) ↗