البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

سورة الأعلى · الآية ١٧

﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يأمر تعالى بتسبيحه المتضمن لذكره وعبادته، والخضوع لجلاله، والاستكانة لعظمته، وأن يكون تسبيحا، يليق بعظمة الله تعالى، بأن تذكر أسماؤه الحسنى العالية على كل اسم بمعناها الحسن العظيم، وتذكر أفعاله التي منها أنه خلق المخلوقات فسواها، أي: أتقنها وأحسن خلقها، { والذي قدر } تقديرا، تتبعه جميع المقدرات { فهدى } إلى ذلك جميع المخلوقات. وهذه الهداية العامة، التي مضمونها أنه هدى كل مخلوق لمصلحته، وتذكر فيها نعمه الدنيوية، ولهذا قال فيها: { والذي أخرج المرعى } أي: أنزل من السماء ماء فأنبت به أنواع النبات والعشب الكثير، فرتع فيها الناس والبهائم وكل حيوان، ثم بعد أن استكمل ما قدر له من الشباب، ألوى نباته، وصوح عشبه، { فجعله غثآء أحوى } أي: أسود أي: جعله هشيما رميما، ويذكر فيها نعمه الدينية، ولهذا امتن الله بأصلها ومنشئها، وهو القرآن، فقال: { سنقرئك فلا تنسى } أي: سنحفظ ما أوحينا إليك من الكتاب، ونوعيه قلبك، فلا تنسى منه شيئا، وهذه بشارة كبيرة من الله لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، أن الله سيعلمه علما لا ينساه، { إلا ما شآء الله } مما اقتضت حكمته أن ينسيكه لمصلحة بالغة، { إنه يعلم الجهر وما يخفى } ومن ذلك أنه يعلم ما يصلح عباده أي: فلذلك يشرع ما أراد، ويحكم بما يريد، { ونيسرك لليسرى } وهذه أيضا بشارة كبيرة، أن الله ييسر رسوله صلى الله عليه وسلم لليسرى في جميع أموره، ويجعل شرعه ودينه يسرا. { فذكر } بشرع الله وآياته { إن نفعت الذكرى } أي: ما دامت الذكرى مقبولة، والموعظة مسموعة، سواء حصل من الذكرى جميع المقصود أو بعضه. ومفهوم الآية أنه إن لم تنفع الذكرى، بأن كان التذكير يزيد في الشر، أو ينقص من الخير، لم تكن الذكرى مأمورا بها، بل منهيا عنها، فالذكرى ينقسم الناس فيها قسمين: منتفعون وغير منتفعين. فأما المنتفعون، فقد ذكرهم بقوله: { سيذكر من يخشى } الله تعالى، فإن خشية الله تعالى، وعلمه …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

قلت: وكذلك روينا عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه كان يأمر الناس بإخراج صدقة الفطر، ويتلو هذه الآية {قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى} وقال أبو الأحوص: إذا أتى أحدكم سائل وهو يريد الصلاة، فليقدم بين يدي صلاته زكاته، فإن الله يقول: {قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى} وقال قتادة في هذه الآية {قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى} زكى ماله وأرضى خالقه. ثم قال تعالى: {بل تؤثرون الحياة الدنيا} أي: تقدمونها على أمر الآخرة، وتبدونها على ما فيه نفعهم وصلاحهم في معاشهم ومعادهم، {والآخرة خير وأبقى} أي: ثواب الله في الدار الآخرة خير من الدنيا وأبقى، فإن الدنيا دنية فانية، والآخرة شريفة باقية، فكيف يؤثر عاقل ما يفنى على ما يبقى، ويهتم بما يزول عنه قريبا، ويترك الاهتمام بدار البقاء والخلد؟! قال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا ذويد، عن أبي إسحاق، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له" (1) . وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا أبو حمزة، عن عطاء، عن عرفجة الثقفي قال: استقرأت ابن مسعود: {سبح اسم ربك الأعلى} فلما بلغ: {بل تؤثرون الحياة الدنيا} ترك القراءة، وأقبل على أصحابه وقال: آثرنا الدنيا على الآخرة. فسكت القوم، فقال: آثرنا الدنيا لأنا رأينا زينتها ونساءها وطعامها وشرابها، وزويت عنا الآخرة فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل (2) . وهذا منه على وجه التواضع والهضم، أو هو إخبار عن الجنس من حيث (3) هو، والله أعلم. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، حدثنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن عبد الله، عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى". تفرد به …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٣١٨) ↗

التحرير والتنوير

17] بل تؤثرون الحياة الدنيا (16) والآخرة خير وأبقى (17) قرأ الجمهور تؤثرون بمثناة فوقية بصيغة الخطاب، والخطاب موجه للمشركين بقرينة السياق وهو التفات، وقرأه أبو عمرو وحده بالمثناة التحتية على طريقة الغيبة عائدا إلى الأشقى الذي يصلى النار الكبرى [الأعلى: 11، 12] . وحرف بل معناه الجامع هو الإضراب، أي انصراف القول أو الحكم إلى ما يأتي بعد بل فهو إذا عطف المفردات كان الإضراب إبطالا للمعطوف عليه: لغلط في ذكر المعطوف أو للاحتراز عنه فذلك انصراف عن الحكم. وإذا عطف الجمل فعطفه عطف كلام على كلام وهو عطف لفظي مجرد عن التشريك في الحكم ويقع على وجهين، فتارة يقصد إبطال معنى الكلام نحو قوله تعالى: أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق [المؤمنون: 70] فهو انصراف في الحكم، وتارة يقصد مجرد التنقل من خبر إلى آخر مع عدم إبطال الأول نحو قوله تعالى: ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون بل قلوبهم في غمرة من هذا [المؤمنون: 62، 63] . فتكون بل بمنزلة قولهم «دع هذا» فهذا انصراف قولي. ويعرف أحد الإضرابين بالقرائن والسياق. وبل هنا عاطفة جملة عطفا صوريا فيجوز أن تكون لمجرد الانتقال من ذكر المنتفعين بالذكرى والمتجنبين لها، إلى ذكر سبب إعراض المتجنبين وهم الأشقون بأن السبب إيثارهم الحياة الدنيا، وذلك على قراءة أبي عمرو ظاهر، وأما على قراءة الجمهور فهو إضراب عن حكاية أحوال الفريقين بالانتقال إلى توبيخ أحد الفريقين وهو الفريق الأشقى فالخطاب موجه إليهم على طريقة الالتفات لتجديد نشاط السامع لكي لا تنقضي السورة كلها في الإخبار عنهم بطريق الغيبة. ويجوز أن يكون الإضراب إبطالا لما تضمنه قوله: قد أفلح من تزكى [الأعلى: 14] من التعريض للذين شقوا بتحريضهم على طلب الفلاح لأنفسهم ليلتحقوا بالذين يخشون ويتزكون ليبطل أن يكونوا مظنة تحصيل الفلاح. والمعنى: أنهم بعداء عن أن يظن بهم التنافس في طلب الفلاح لأنهم يؤثرون الحياة الدنيا، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗