سورة الطارق · الآية ٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول [الله] تعالى: { والسمآء والطارق }. ثم فسر الطارق بقوله: { النجم الثاقب } أي: المضيء، الذي يثقب نوره، فيخرق السماوات [فينفذ حتى يرى في الأرض]، والصحيح أنه اسم جنس يشمل سائر النجوم الثواقب. وقد قيل: إنه " زحل " الذي يخرق السماوات السبع وينفذ فيها فيرى منها. وسمي طارقا، لأنه يطرق ليلا، والمقسم عليه قوله: { إن كل نفس لما عليها حافظ } يحفظ عليها أعمالها الصالحة والسيئة، وستجازى بعملها المحفوظ عليها، { فلينظر الإنسان مم خلق } أي: فليتدبر خلقته ومبدأه، فإنه مخلوق { من مآء دافق } وهو: المني الذي { يخرج من بين الصلب والترآئب } يحتمل أنه من بين صلب الرجل وترائب المرأة، وهي ثدياها. ويحتمل أن المراد المني الدافق، وهو مني الرجل، وأن محله الذي يخرج منه ما بين صلبه وترائبه، ولعل هذا أولى، فإنه إنما وصف الله به الماء الدافق، والذي يحس [به] ويشاهد دفقه، هو مني الرجل، وكذلك لفظ الترائب فإنها تستعمل في الرجل، فإن الترائب للرجل، بمنزلة الثديين للأنثى، فلو أريدت الأنثى، لقال: " من بين الصلب والثديين " ، ونحو ذلك، والله أعلم. فالذي أوجد الإنسان من ماء دافق، يخرج من هذا الموضع الصعب، قادر على رجعه في الآخرة، وإعادته للبعث، والنشور [والجزاء]، وقد قيل: إن معناه، أن الله على رجع الماء المدفوق في الصلب لقادر، وهذا - وإن كان المعنى صحيحا - فليس هو المراد من الآية، ولهذا قال بعده: { يوم تبلى السرآئر } أي: تختبر سرائر الصدور، ويظهر ما كان في القلوب من خير وشر على صفحات الوجوه قال تعالى: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه [آل عمران: 106] ففي الدنيا، تنكتم كثير من الأمور، ولا تظهر عيانا للناس، وأما في القيامة، فيظهر بر الأبرار، وفجور الفجار، وتصير الأمور علانية، { فما له من قوة } يدفع بها عن نفسه، { ولا ناصر } خارجي ينتصر به، فهذا القسم على حالة العاملين وقت عملهم وعند جزائهم. ثم أقسم قسما ثانيا على صحة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الحديث الآخر المشتمل على الدعاء: "إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن" (1) . وقوله: {الثاقب} قال ابن عباس: المضيء. وقال السدي: يثقب الشياطين إذا أرسل عليها. وقال عكرمة: هو مضيء ومحرق للشيطان. وقوله: {إن كل نفس لما عليها حافظ} أي: كل نفس عليها من الله حافظ يحرسها من الآفات، كما قال تعالى: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} الآية [الرعد: 11] . وقوله: {فلينظر الإنسان مم خلق} تنبيه للإنسان على ضعف أصله الذي خلق منه، وإرشاد له إلى الاعتراف بالمعاد؛ لأن من قدر على البداءة فهو قادر على الإعادة بطريق الأولى، كما قال: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم: 27] . وقوله: {خلق من ماء دافق} يعني: المني؛ يخرج دفقا من الرجل ومن المرأة، فيتولد منهما الولد بإذن الله، عز وجل (2) ؛ ولهذا قال: {يخرج من بين الصلب والترائب} يعني: صلب الرجل وترائب المرأة، وهو صدرها. قال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: {يخرج من بين الصلب والترائب} صلب الرجل وترائب المرأة، أصفر رقيق، لا يكون الولد إلا منهما. وكذا قال سعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة والسدي، وغيرهم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مسعر: سمعت الحكم ذكر عن ابن عباس: {يخرج من بين الصلب والترائب} قال: هذه الترائب. ووضع يده على صدره. وقال الضحاك وعطية، عن ابن عباس: تريبة المرأة موضع القلادة. وكذا قال عكرمة، وسعيد بن جبير. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الترائب: بين ثدييها. وعن مجاهد: الترائب ما بين المنكبين إلى الصدر. وعنه أيضا: الترائب أسفل من التراقي. وقال سفيان الثوري: فوق الثديين. وعن سعيد بن جبير: الترائب أربعة أضلاع من هذا الجانب الأسفل. وعن الضحاك: الترائب بين الثديين والرجلين والعينين. وقال الليث بن سعد عن معمر بن أبي حبيبة (3) المدني: أنه بلغه في قول الله عز وجل: {يخرج من بين الصلب …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الذي يطرق ليلا من النجوم المضيئة، ويخفى نهارا، وكل ما جاء ليلا فقد طرق وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٢٨٨) ↗التحرير والتنوير
وما يدريك لعل الساعة قريب في سورة الشورى [17] ، وعند قوله: وما أدراك ما الحاقة [الحاقة: 3] وتقدم الفرق بين: ما يدريك، وما أدراك. وقوله: النجم خبر عن ضمير محذوف تقديره: هو، أي الطارق النجم الثاقب. والثقب: خرق شيء ملتئم، وهو هنا مستعار لظهور النور في خلال ظلمة الليل. شبه النجم بمسمار أو نحوه، وظهور ضوئه بظهور ما يبدو من المسمار من خلال الجسم الذي يثقبه مثل لوح أو ثوب. وأحسب أن استعارة الثقب لبروز شعاع النجم في ظلمة الليل من مبتكرات القرآن ولم يرد في كلام العرب قبل القرآن. وقد سبق قوله تعالى: فأتبعه شهاب ثاقب في سورة الصافات [10] ، ووقع في «تفسير القرطبي» : والعرب تقول اثقب نارك، أي أضئها، وساق بيتا شاهدا على ذلك ولم يعزه إلى قائل. والتعريف في النجم يجوز أن يكون تعريف الجنس كقول النابغة: أقول والنجم قد مالت أواخره ... البيت فيستغرق جميع النجوم استغراقا حقيقيا وكلها ثاقب فكأنه قيل، والنجوم، إلا أن صيغة الإفراد في قوله: الثاقب ظاهر في إرادة فرد معين من النجوم، ويجوز أن يكون التعريف للعهد إشارة إلى نجم معروف يطلق عليه اسم النجم غالبا، أي والنجم الذي هو طارق. ويناسب أن يكون نجما يطلع في أوائل ظلمة الليل وهي الوقت المعهود لطروق الطارقين من السائرين. ولعل الطارق هو النجم الذي يسمى الشاهد، وهو نجم يظهر عقب غروب الشمس، وبه سميت صلاة المغرب «صلاة الشاهد» . روى النسائي: «أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: إن هذه الصلاة» (أي العصر) فرضت على من كان قبلكم فضيعوها» إلى قوله: «ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد» . وقيل: أريد ب الطارق نوع الشهب، روي عن جابر بن زيد: أن النجم الطارق هو كوكب زحل (لأنه مبرز على الكواكب بقوة شعاعه) . وعنه: أنه الثريا
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٢٥٩) ↗