سورة الطارق · الآية ١٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول [الله] تعالى: { والسمآء والطارق }. ثم فسر الطارق بقوله: { النجم الثاقب } أي: المضيء، الذي يثقب نوره، فيخرق السماوات [فينفذ حتى يرى في الأرض]، والصحيح أنه اسم جنس يشمل سائر النجوم الثواقب. وقد قيل: إنه " زحل " الذي يخرق السماوات السبع وينفذ فيها فيرى منها. وسمي طارقا، لأنه يطرق ليلا، والمقسم عليه قوله: { إن كل نفس لما عليها حافظ } يحفظ عليها أعمالها الصالحة والسيئة، وستجازى بعملها المحفوظ عليها، { فلينظر الإنسان مم خلق } أي: فليتدبر خلقته ومبدأه، فإنه مخلوق { من مآء دافق } وهو: المني الذي { يخرج من بين الصلب والترآئب } يحتمل أنه من بين صلب الرجل وترائب المرأة، وهي ثدياها. ويحتمل أن المراد المني الدافق، وهو مني الرجل، وأن محله الذي يخرج منه ما بين صلبه وترائبه، ولعل هذا أولى، فإنه إنما وصف الله به الماء الدافق، والذي يحس [به] ويشاهد دفقه، هو مني الرجل، وكذلك لفظ الترائب فإنها تستعمل في الرجل، فإن الترائب للرجل، بمنزلة الثديين للأنثى، فلو أريدت الأنثى، لقال: " من بين الصلب والثديين " ، ونحو ذلك، والله أعلم. فالذي أوجد الإنسان من ماء دافق، يخرج من هذا الموضع الصعب، قادر على رجعه في الآخرة، وإعادته للبعث، والنشور [والجزاء]، وقد قيل: إن معناه، أن الله على رجع الماء المدفوق في الصلب لقادر، وهذا - وإن كان المعنى صحيحا - فليس هو المراد من الآية، ولهذا قال بعده: { يوم تبلى السرآئر } أي: تختبر سرائر الصدور، ويظهر ما كان في القلوب من خير وشر على صفحات الوجوه قال تعالى: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه [آل عمران: 106] ففي الدنيا، تنكتم كثير من الأمور، ولا تظهر عيانا للناس، وأما في القيامة، فيظهر بر الأبرار، وفجور الفجار، وتصير الأمور علانية، { فما له من قوة } يدفع بها عن نفسه، { ولا ناصر } خارجي ينتصر به، فهذا القسم على حالة العاملين وقت عملهم وعند جزائهم. ثم أقسم قسما ثانيا على صحة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وعكرمة، وغيرهما. والقول الثاني: إنه على رجع هذا الإنسان المخلوق من ماء دافق، أي: إعادته وبعثه إلى الدار الآخرة لقادر؛ لأن من قدر على البدء قدر على الإعادة. وقد ذكر الله، عز وجل، هذا الدليل في القرآن في غير ما موضع، وهذا القول قال به الضحاك، واختاره ابن جرير، ولهذا قال: {يوم تبلى السرائر} أي: يوم القيامة تبلى فيه السرائر، أي: تظهر وتبدو، ويبقى السر علانية والمكنون مشهورا. وقد ثبت في الصحيحين، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يرفع لكل غادر لواء عند استه (1) يقال: هذه غدرة فلان بن فلان" (2) . وقوله: {فما له} أي: الإنسان يوم القيامة {من قوة} أي: في نفسه {ولا ناصر} أي: من خارج منه، أي: لا يقدر على أن ينقذ نفسه من عذاب الله، ولا يستطيع له أحد ذلك. قال ابن عباس: الرجع: المطر. وعنه: هو السحاب فيه المطر. وعنه: {والسماء ذات الرجع} تمطر ثم تمطر. وقال قتادة: ترجع رزق العباد كل عام، ولولا ذلك لهلكوا وهلكت مواشيهم. وقال ابن زيد: ترجع نجومها وشمسها وقمرها، يأتين من هاهنا. {والأرض ذات الصدع} قال ابن عباس: هو انصداعها عن النبات. وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة، وأبو مالك، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسدي، وغير واحد. وقوله: {إنه لقول فصل} قال ابن عباس: حق. وكذا قال قتادة. وقال آخر: حكم عدل. {وما هو بالهزل} أي: بل هو حق جد. ثم أخبر عن الكافرين بأنهم يكذبون به ويصدون عن سبيله، فقال: {إنهم يكيدون كيدا} أي: يمكرون بالناس في دعوتهم إلى خلاف القرآن. ثم قال: {فمهل الكافرين} أي: أنظرهم ولا تستعجل لهم، {أمهلهم رويدا} أي: قليلا. أي: وترى ماذا أحل بهم من العذاب والنكال والعقوبة والهلاك، كما قال: {نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ} [لقمان: 24] . آخر تفسير سورة "الطارق" ولله الحمد (3) .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٣٧٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أبيض كالرجع رسوب %~% إذا ما ثاخ في محتفل يختلي وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٣٠٢) ↗التحرير والتنوير
14] والسماء ذات الرجع (11) والأرض ذات الصدع (12) إنه لقول فصل (13) وما هو بالهزل (14) بعد أن تبين الدليل على إمكان البعث أعقب بتحقيق أن القرآن حق وأن ما فيه قول فصل إبطالا لما موه عليهم من أن أخباره غير صادقة إذ قد أخبرهم بإحياء الرمم البالية. فالجملة استئناف ابتدائي لغرض من أغراض السورة. وافتتح الكلام بالقسم تحقيقا لصدق القرآن في الإخبار بالبعث وفي غير ذلك مما اشتمل عليه من الهدى. ولذلك أعيد القسم ب السماء كما أقسم بها في أول السورة، وذكر من أحوال السماء ما له مناسبة بالمقسم عليه، وهو الغيث الذي به صلاح الناس، فإن إصلاح القرآن للناس كإصلاح المطر. وفي الحديث: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا» . الحديث. وفي اسم الرجع مناسبة لمعنى البعث في قوله: إنه على رجعه لقادر [الطارق: 8] وفيه محسن الجناس التام وفي مسمى الرجع وهو المطر المعاقب لمطر آخر مناسبة لمعنى الرجع البعث فإن البعث حياة معاقبة بحياة سابقة. وعطف الأرض في القسم لأن بذكر الأرض إتمام المناسبة بين المقسم والمقسم عليه كما علمت من المثل الذي في الحديث. والصدع: الشق، وهو مصدر بمعنى المفعول، أي المصدوع عنه، وهو النبات الذي يخرج من شقوق الأرض قال تعالى: أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا [عبس: 25- 29] . ولأن في هذين الحالين إيماء إلى دليل آخر من دلائل إحياء الناس للبعث فكان في هذا القسم دليلان. والضمير الواقع اسما ل (إن) عائد إلى القرآن وهو معلوم من المقام.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٢٦٦) ↗