سورة الانشقاق · الآية ١٣
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وأطاعت أمره فيما أمرها به من الانشقاق {وحقت} أي: وحق لها أن تطيع أمره؛ لأنه العظيم الذي لا يمانع ولا يغالب، بل قد قهر كل شيء وذل له كل شيء. ثم قال: {وإذا الأرض مدت} أي: بسطت وفرشت ووسعت. قال ابن جرير، رحمه الله: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن (1) ثور، عن معمر، عن الزهري، عن علي بن الحسين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان يوم القيامة مد الله الأرض مد الأديم حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدميه، فأكون أول من يدعى، وجبريل عن يمين الرحمن، والله ما رآه قبلها، فأقول: يا رب، إن هذا أخبرني أنك أرسلته إلي؟ فيقول الله عز وجل: صدق. ثم أشفع فأقول: يا رب، عبادك عبدوك في أطراف الأرض. قال: وهو المقام المحمود" (2) . وقوله: {وألقت ما فيها وتخلت} أي: ألقت ما في بطنها من الأموات، وتخلت منهم. قاله مجاهد، وسعيد، وقتادة، {وأذنت لربها وحقت} كما تقدم. وقوله: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا} أي: ساع إلى ربك سعيا، وعامل عملا {فملاقيه} ثم إنك ستلقى ما عملت من خير أو شر. ويشهد له ما رواه أبو داود الطيالسي، عن الحسن بن أبي جعفر، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال جبريل: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه" (3) . ومن الناس من يعيد الضمير على قوله: {ربك} أي: فملاق (4) ربك، ومعناه: فيجازيك بعملك ويكافئك على سعيك. وعلى هذا فكلا القولين متلازم. قال العوفي، عن ابن عباس: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا} يقول: تعمل عملا تلقى الله به، خيرا كان أو شرا. وقال قتادة: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا} إن كدحك-يا ابن آدم-لضعيف، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل، ولا قوة إلا بالله. ثم قال: {فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا} أي: سهلا بلا تعسير، أي: لا يحقق عليه جميع دقائق أعماله؛ فإن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٢٣٩) ↗التحرير والتنوير
وضمير النصب في «ملاقيه» عائد إلى الرب، أي فملاق ربك، أي لا مفر لك من لقاء الله ولذلك أكد الخبر بإن. [7- 15] 15] فأما من أوتي كتابه بيمينه (7) فسوف يحاسب حسابا يسيرا (8) وينقلب إلى أهله مسرورا (9) وأما من أوتي كتابه وراء ظهره (10) فسوف يدعوا ثبورا (11) ويصلى سعيرا (12) إنه كان في أهله مسرورا (13) إنه ظن أن لن يحور (14) بلى إن ربه كان به بصيرا (15) هذا تفصيل الإجمال الذي في قوله: إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه [الانشقاق: 6] أي رجوع جميع الناس أولئك إلى الله، فمن أوتي كتابه بيمينه فريق من الناس هم المؤمنون ومن أوتي كتابه وراء ظهره فريق آخر وهم المشركون كما دل عليه قوله: إنه ظن أن لن يحور ، وبين منتهاهما مراتب، وإنما جاءت هذه الآية على اعتبار تقسيم الناس يومئذ بين أتقياء ومشركين. والكتاب: صحيفة الأعمال، وجعل إيتاؤه إياه بيمينه شعارا للسعادة لما هو متعارف من أن اليد اليمنى تتناول الأشياء الزكية وهذا في غريزة البشر نشأ عن كون الجانب الأيمن من الجسد أقدر وأبدر للفعل الذي يتعلق العزم بعمله فارتكز في النفوس أن البركة في الجانب الأيمن حتى سموا البركة والسعادة يمنا، ووسموا ضدها بالشؤم فكانت بركة اليمين مما وضعه الله تعالى في أصل فطرة الإنسان، وتقدم عند قوله تعالى: قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين في سورة الصافات [28] ، وقوله: وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين [الواقعة: 27] . وقوله: وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سورة الواقعة [41] ، وقوله: فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة في سورة الواقعة [8، 9] . والباء في قوله: بيمينه للملابسة أو المصاحبة، أو هي بمعنى (في) ، وهي متعلقة ب أوتي وحرف (سوف) أصله لحصول الفعل في المستقبل، والأكثر أن يراد به
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٢٢٢) ↗