البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة المطففين · الآية ٢٠

﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

لما ذكر أن كتاب الفجار في أسفل الأمكنة وأضيقها، ذكر أن كتاب الأبرار في أعلاها وأوسعها، وأفسحها وأن كتابهم المرقوم { يشهده المقربون } من الملائكة الكرام، وأرواح الأنبياء، والصديقين والشهداء، وينوه الله بذكرهم في الملأ الأعلى، و { عليون } اسم لأعلى الجنة، فلما ذكر كتابهم، ذكر أنهم في نعيم، وهو اسم جامع لنعيم القلب والروح والبدن، { على الأرآئك } أي: [على] السرر المزينة بالفرش الحسان. { ينظرون } إلى ما أعد الله لهم من النعيم، وينظرون إلى وجه ربهم الكريم، { تعرف } أيها الناظر إليهم { في وجوههم نضرة النعيم } أي: بهاء النعيم ونضارته ورونقه، فإن توالي اللذة والسرور يكسب الوجه نورا وحسنا وبهجة. { يسقون من رحيق } وهو من أطيب ما يكون من الأشربة وألذها، { مختوم } ذلك الشراب { ختامه مسك } يحتمل أن المراد مختوم عن أن يداخله شيء ينقص لذته، أو يفسد طعمه، وذلك الختام الذي ختم به مسك. ويحتمل أن المراد أنه [الذي] يكون في آخر الإناء، الذي يشربون منه الرحيق حثالة، وهي المسك الأذفر، فهذا الكدر منه، الذي جرت العادة في الدنيا أنه يراق، يكون في الجنة بهذه المثابة، { وفي ذلك } النعيم المقيم، الذي لا يعلم مقداره وحسنه إلا الله، { فليتنافس المتنافسون } أي: يتسابقوا في المبادرة إليه بالأعمال الموصلة إليه، فهذا أولى ما بذلت فيه نفائس الأنفاس، وأحرى ما تزاحمت للوصول إليه فحول الرجال. ومزاج هذا الشراب من تسنيم، وهي عين { يشرب بها المقربون } صرفا، وهي أعلى أشربة الجنة على الإطلاق، فلذلك كانت خالصة للمقربين، الذين هم أعلى الخلق منزلة، وممزوجة لأصحاب اليمين أي: مخلوطة بالرحيق وغيره من الأشربة اللذيذة.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المطففين ١٨–٢٨) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

{وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا} [الفرقان: 13] . وقوله: {كتاب مرقوم} ليس تفسيرا لقوله: {وما أدراك ما سجين} وإنما هو تفسير (1) لما كتب لهم من المصير إلى سجين، أي: مرقوم مكتوب مفروغ منه، لا يزاد فيه أحد ولا ينقص منه أحد؛ قاله محمد بن كعب القرظي. ثم قال: {ويل يومئذ للمكذبين} أي: إذا صاروا يوم القيامة إلى ما أوعدهم الله من السجن والعذاب المهين. وقد تقدم الكلام على قوله: {ويل} بما أغنى عن إعادته، وأن المراد من ذلك (2) الهلاك والدمار، كما يقال: ويل لفلان. وكما جاء في المسند والسنن من رواية بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويل للذي يحدث فيكذب، ليضحك الناس، ويل له، ويل له" (3) . ثم قال تعالى مفسرا للمكذبين الفجار الكفرة: {الذين يكذبون بيوم الدين} أي: لا يصدقون بوقوعه، ولا يعتقدون كونه، ويستبعدون أمره. قال الله تعالى: {وما يكذب به إلا كل معتد أثيم} أي: معتد في أفعاله؛ من تعاطي الحرام والمجاوزة في تناول المباح والأثيم (4) في أقواله: إن حدث كذب، وإن وعد أخلف، وإن خاصم فجر. وقوله: {إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين} أي: إذا سمع كلام الله من الرسول، يكذب به، ويظن به ظن السوء، فيعتقد أنه مفتعل مجموع من كتب الأوائل، كما قال تعالى: {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين} [النحل: 24] ، وقال: {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} [الفرقان: 5] ، قال الله تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} أي: ليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا، إن هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما حجب قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الرين الذي قد لبس قلوبهم من كثرة الذنوب والخطايا؛ ولهذا قال تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} والرين …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

كانوا يعملونها في الدنيا {لفي سجين} [المطففين: 7] وهي الأرض السابعة السفلى، وهو فعيل من السجن، كما قيل: رجل سكير من السكر، وفسيق من الفسق وقد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: مثل الذي قلنا في ذلك

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/١٩٣) ↗

التحرير والتنوير

يقيمون لهم ما هو شعار العدل والمساواة، كان التطفيف لذلك منبئا عن إثم احتقار الحقوق، وذلك قد صار خلقا لهم حتى تخلقوا بمكابرة دعاة الحق، وقد أشار إلى هذا التنويه به قوله تعالى: والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان [الرحمن: 7- 9] وقوله حكاية عن شعيب: وزنوا بالقسطاس المستقيم ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين [الشعراء: 182، 183] [7- 9] 9] كلا إن كتاب الفجار لفي سجين (7) وما أدراك ما سجين (8) كتاب مرقوم (9) كلا. إبطال وردع لما تضمنته جملة: ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون [المطففين: 4] من التعجيب من فعلهم التطفيف، والمعنى: كلا بل هم مبعوثون لذلك اليوم العظيم ولتلقي قضاء رب العالمين فهي جواب عما تقدم. إن كتاب الفجار لفي سجين (7) وما أدراك ما سجين (8) كتاب مرقوم استئناف ابتدائي بمناسبة ذكر يوم القيامة. وهو تعريض بالتهديد للمطففين بأن يكون عملهم موجبا كتبه في كتاب الفجار. والفجار غلب على المشركين ومن عسى أن يكون متلبسا بالتطفيف بعد سماع النهي عنه من المسلمين الذي ربما كان بعضهم يفعله في الجاهلية. والتعريف في الفجار للجنس مراد به الاستغراق، أي جميع المشركين فيعم المطففين وغير المطففين، فوصف الفجار هنا نظير ما في قوله: أولئك هم الكفرة الفجرة [عبس: 42] . وشمول عموم الفجار لجميع المشركين المطففين منهم وغير المطففين يعنى به أن المطففين منهم المقصود الأول من هذا العموم، لأن ذكر هذا الوصف والوعيد عليه عقب كلمة الردع عن أعمال المطففين قرينة على أن الوعيد موجه إليهم. و «الكتاب» المكتوب، أي الصحيفة وهو هنا يحتمل شيئا تحصى فيه

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/١٩٤) ↗