سورة المطففين · الآية ١٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { كلا إن كتاب الفجار } [وهذا شامل لكل فاجر] من أنواع الكفرة والمنافقين، والفاسقين { لفي سجين } ثم فسر ذلك بقوله: { ومآ أدراك ما سجين * كتاب مرقوم } أي: كتاب مذكور فيه أعمالهم الخبيثة، والسجين: المحل الضيق الضنك، و " سجين " ضد " عليين " الذي هو محل كتاب الأبرار، كما سيأتي. وقد قيل: إن " سجين " هو أسفل الأرض السابعة، مأوى الفجار ومستقرهم في معادهم. { ويل يومئذ للمكذبين } ثم بين المكذبين بأنهم { الذين يكذبون بيوم الدين } أي: يوم الجزاء، يوم يدين الله فيه الناس بأعمالهم. { وما يكذب به إلا كل معتد } على محارم الله، متعد من الحلال إلى الحرام. { أثيم } أي كثير الإثم، فهذا الذي يحمله عدوانه على التكذيب، ويحمله [عدوانه على التكذيب ويوجب له] كبره رد الحق، ولهذا { إذا تتلى عليه آياتنا } الدالة على الحق، و[على] صدق ما جاءت به رسله، كذبها وعاندها، و { قال }: هذه { أساطير الأولين } أي: من ترهات المتقدمين، وأخبار الأمم الغابرين، ليس من عند الله تكبرا وعنادا. وأما من أنصف، وكان مقصوده الحق المبين، فإنه لا يكذب بيوم الدين، لأن الله قد أقام عليه من الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة، ما يجعله حق اليقين، وصار لقلوبهم مثل الشمس للأبصار، بخلاف من ران على قلبه كسبه، وغطته معاصيه، فإنه محجوب عن الحق، ولهذا جوزي على ذلك، بأن حجب عن الله، كما حجب قلبه في الدنيا عن آيات الله، { ثم إنهم } مع هذه العقوبة البليغة { لصالوا الجحيم } ثم يقال لهم توبيخا وتقريعا: { هذا الذي كنتم به تكذبون } فذكر لهم ثلاثة أنواع من العذاب: عذاب الجحيم، وعذاب التوبيخ، واللوم. وعذاب الحجاب من رب العالمين، المتضمن لسخطه وغضبه عليهم، وهو أعظم عليهم من عذاب النار، ودل مفهوم الآية، على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وفي الجنة، ويتلذذون بالنظر إليه أعظم من سائر اللذات، ويبتهجون بخطابه، ويفرحون بقربه، كما ذكر الله ذلك …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا} [الفرقان: 13] . وقوله: {كتاب مرقوم} ليس تفسيرا لقوله: {وما أدراك ما سجين} وإنما هو تفسير (1) لما كتب لهم من المصير إلى سجين، أي: مرقوم مكتوب مفروغ منه، لا يزاد فيه أحد ولا ينقص منه أحد؛ قاله محمد بن كعب القرظي. ثم قال: {ويل يومئذ للمكذبين} أي: إذا صاروا يوم القيامة إلى ما أوعدهم الله من السجن والعذاب المهين. وقد تقدم الكلام على قوله: {ويل} بما أغنى عن إعادته، وأن المراد من ذلك (2) الهلاك والدمار، كما يقال: ويل لفلان. وكما جاء في المسند والسنن من رواية بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويل للذي يحدث فيكذب، ليضحك الناس، ويل له، ويل له" (3) . ثم قال تعالى مفسرا للمكذبين الفجار الكفرة: {الذين يكذبون بيوم الدين} أي: لا يصدقون بوقوعه، ولا يعتقدون كونه، ويستبعدون أمره. قال الله تعالى: {وما يكذب به إلا كل معتد أثيم} أي: معتد في أفعاله؛ من تعاطي الحرام والمجاوزة في تناول المباح والأثيم (4) في أقواله: إن حدث كذب، وإن وعد أخلف، وإن خاصم فجر. وقوله: {إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين} أي: إذا سمع كلام الله من الرسول، يكذب به، ويظن به ظن السوء، فيعتقد أنه مفتعل مجموع من كتب الأوائل، كما قال تعالى: {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين} [النحل: 24] ، وقال: {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} [الفرقان: 5] ، قال الله تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} أي: ليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا، إن هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما حجب قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الرين الذي قد لبس قلوبهم من كثرة الذنوب والخطايا؛ ولهذا قال تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} والرين …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
شيئا من كرامته يصل إليهم وقد اختلف أهل التأويل في معنى قوله: {إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين: 15] فقال بعضهم: معنى ذلك: إنهم محجوبون عن كرامته
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٢٠٤) ↗التحرير والتنوير
تكذيبا يساوي اعتقاد أنه من وضع البشر، فهؤلاء وإن لم يقولوا القرآن أساطير الأولين فظنهم في القرآن يساوي ظن المشركين فنزلوا منزلة من يقوله. ولك أن تجعل القصر ادعائيا ولا تلتفت إلى تنزيل من لم يقل ذلك في القرآن. ومعنى الادعاء أن من لم يؤثر عنهم القول في القرآن بأنه أساطير الأولين قد جعل تكذيبهم بيوم الدين كلا تكذيب مبالغة في إبطال تكذيب المشركين بيوم الدين. وجملة: إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين صفة لمعتد أو حال منه. والآيات هنا القرآن وأجزاؤه لأنها التي تتلى وتقرأ. والأساطير: جمع أسطورة وهي القصة، والأكثر أن يراد القصة المخترعة التي لم تقع وكان المشركون ينظرون قصص القرآن بقصة رستم، وإسفنديار، عند الفرس، ولعل الكلمة معربة عن الرومية، وتقدم الكلام عليه عند قوله تعالى: يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين في سورة الأنعام [25] . والمراد بالأولين الأمم السابقة لأن الأول يطلق على السابق على وجه التشبيه بأنه أول بالنسبة إلى ثان بعده وإن كان هو قد سبقته أجيال، وقد كان المشركون يصفون القرآن بذلك لما سمعوا فيه من القصص التي سيقت إليهم مساق الموعظة والاعتبار، فحسبوها من قصص الأسمار. واقتصروا على ذلك دون ما في أكثر القرآن من الحقائق العالية والحكمة، بهتانا منهم. وممن كانوا يقولون ذلك النضر بن الحارث وكان قد كتب قصة رستم وقصة إسفنديار وجدها في الحيرة فكان يحدث بها في مكة ويقول: أنا أحسن حديثا من محمد فإنما يحدثكم بأساطير الأولين. وليس المراد في الآية خصوصه لأن كلمة كل معتد ظاهر في عدم التخصيص. [14- 17] 17] كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (15) ثم إنهم لصالوا الجحيم (16) ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون (17) كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) كلا اعتراض بالردع وبيان له، لأن كلا ردع لقولهم أساطير الأولين، أي أن قولهم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/١٩٨) ↗