سورة المطففين · الآية ١٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { كلا إن كتاب الفجار } [وهذا شامل لكل فاجر] من أنواع الكفرة والمنافقين، والفاسقين { لفي سجين } ثم فسر ذلك بقوله: { ومآ أدراك ما سجين * كتاب مرقوم } أي: كتاب مذكور فيه أعمالهم الخبيثة، والسجين: المحل الضيق الضنك، و " سجين " ضد " عليين " الذي هو محل كتاب الأبرار، كما سيأتي. وقد قيل: إن " سجين " هو أسفل الأرض السابعة، مأوى الفجار ومستقرهم في معادهم. { ويل يومئذ للمكذبين } ثم بين المكذبين بأنهم { الذين يكذبون بيوم الدين } أي: يوم الجزاء، يوم يدين الله فيه الناس بأعمالهم. { وما يكذب به إلا كل معتد } على محارم الله، متعد من الحلال إلى الحرام. { أثيم } أي كثير الإثم، فهذا الذي يحمله عدوانه على التكذيب، ويحمله [عدوانه على التكذيب ويوجب له] كبره رد الحق، ولهذا { إذا تتلى عليه آياتنا } الدالة على الحق، و[على] صدق ما جاءت به رسله، كذبها وعاندها، و { قال }: هذه { أساطير الأولين } أي: من ترهات المتقدمين، وأخبار الأمم الغابرين، ليس من عند الله تكبرا وعنادا. وأما من أنصف، وكان مقصوده الحق المبين، فإنه لا يكذب بيوم الدين، لأن الله قد أقام عليه من الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة، ما يجعله حق اليقين، وصار لقلوبهم مثل الشمس للأبصار، بخلاف من ران على قلبه كسبه، وغطته معاصيه، فإنه محجوب عن الحق، ولهذا جوزي على ذلك، بأن حجب عن الله، كما حجب قلبه في الدنيا عن آيات الله، { ثم إنهم } مع هذه العقوبة البليغة { لصالوا الجحيم } ثم يقال لهم توبيخا وتقريعا: { هذا الذي كنتم به تكذبون } فذكر لهم ثلاثة أنواع من العذاب: عذاب الجحيم، وعذاب التوبيخ، واللوم. وعذاب الحجاب من رب العالمين، المتضمن لسخطه وغضبه عليهم، وهو أعظم عليهم من عذاب النار، ودل مفهوم الآية، على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وفي الجنة، ويتلذذون بالنظر إليه أعظم من سائر اللذات، ويبتهجون بخطابه، ويفرحون بقربه، كما ذكر الله ذلك …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال ابن عباس: المهين الكاذب. وقال مجاهد: هو الضعيف القلب. قال الحسن: كل حلاف مكابر مهين ضعيف. وقوله {هماز} قال ابن عباس وقتادة: يعني الاغتياب. {مشاء بنميم} يعني: الذي يمشي بين الناس، ويحرش بينهم وينقل الحديث لفساد ذات البين وهي الحالقة، وقد ثبت في الصحيحين من حديث مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر (1) من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة" الحديث. وأخرجه بقية الجماعة في كتبهم، من طرق عن مجاهد، به (2) . وقال أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن همام؛ أن حذيفة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يدخل الجنة قتات". رواه الجماعة -إلا ابن ماجه-من طرق، عن إبراهيم، به (3) . وحدثنا عبد الرزاق، حدثنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، عن حذيفة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يدخل الجنة قتات" يعني: نماما (4) . وحدثنا يحيى بن سعيد القطان أبو سعيد الأحول، عن الأعمش، حدثني إبراهيم -منذ نحو ستين سنة-عن همام بن الحارث قال: مر رجل على حذيفة فقيل: إن هذا يرفع الحديث إلى الأمراء. فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول -أو: قال-: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة قتات" (5) . وقال أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا مهدي، عن واصل الأحدب، عن أبي وائل قال: بلغ حذيفة عن رجل أنه ينم الحديث، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يدخل الجنة نمام" (6) . وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن ابن خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أخبركم بخياركم؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "الذين إذا رؤوا ذكر الله، عز وجل". ثم قال: "ألا أخبركم بشراركم؟ المشاءون بالنميمة، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أحدهما أن يكون مرادا به تقريع هذا الحلاف المهين، فقيل: ألأن كان هذا الحلاف المهين ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين، وهذا أظهر وجهيه. والآخر أن يكون مرادا به: ألأن كان ذا مال وبنين تطيعه، على وجه التوبيخ لمن أطاعه. وقرأ ذلك بعد سائر قراء المدينة والكوفة والبصرة: {أن كان ذا مال} [القلم: 14] على وجه الخبر بغير استفهام بهمزة واحدة؛ ومعناه إذا قرئ كذلك: ولا تطع كل حلاف مهين أن كان ذا مال وبنين كأنه نهاه أن يطيعه من أجل أنه ذو مال وبنين.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/١٦٩) ↗التحرير والتنوير
اتبع في حذفه استعمال العرب إذا تحدثوا عن شيء ثم أرادوا الإخبار عنه بخبر جديد. والمرقوم: المكتوب كتابة بينة تشبه الرقم في الثوب المنسوج. وهذا الوصف يفيد تأكيد ما يفيده لفظ كتاب سواء كان اللفظ حقيقة أو مجازا. [10- 13] 13] ويل يومئذ للمكذبين (10) الذين يكذبون بيوم الدين (11) وما يكذب به إلا كل معتد أثيم (12) إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (13) جملة: ويل يومئذ للمكذبين يجوز أن تكون مبينة لمضموم جملة: ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم [المطففين: 4، 5] فإن قوله: يومئذ يفيد تنوينه جملة محذوفة جعل التنوين عوضا عنها تقديرها: يوم إذ يقوم الناس لرب العالمين ويل فيه للمكذبين. ويجوز أن تكون ابتدائية وبين المكذبين بيوم الدين والمطففين عموم وخصوص وجهي فمن المكذبين من هم مطففون ومن المطففين مسلمون وأهل كتاب لا يكذبون بيوم الدين، فتكون هذه الجملة إدماجا لتهديد المشركين المكذبين بيوم الدين وإن لم يكونوا من المطففين. وقد ذكر المكذبون مجملا في قوله: للمكذبين ثم أعيد مفصلا ببيان متعلق التكذيب، وهو بيوم الدين لزيادة تقرير تكذيبهم أذهان السامعين منهم ومن غيرهم من المسلمين وأهل الكتاب، فالصفة هنا للتهديد وتحذير المطففين المسلمين من أن يستخفوا بالتطفيف فيكونوا بمنزلة المكذبين بالجزاء عليه. ومعنى التكذيب ب «يوم الدين» التكذيب بوقوعه. فالتكذيب بيوم الجزاء هو منشأ الإقدام على السيئات والجرائم، ولذلك أعقبه بقوله: وما يكذب به إلا كل معتد أثيم إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/١٩٦) ↗