سورة عبس · الآية ٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وسبب نزول هذه الآيات الكريمات، أنه جاء رجل من المؤمنين أعمى يسأل النبي صلى الله عليه ويتعلم منه. وجاءه رجل من الأغنياء، وكان صلى الله عليه وسلم حريصا على هداية الخلق، فمال صلى الله عليه وسلم [وأصغى] إلى الغني، وصد عن الأعمى الفقير، رجاء لهداية ذلك الغني، وطمعا في تزكيته، فعاتبه الله بهذا العتاب اللطيف، فقال: { عبس } [أي:] في وجهه { وتولى } في بدنه، لأجل مجيء الأعمى له، ثم ذكر الفائدة في الإقبال عليه، فقال: { وما يدريك لعله } أي: الأعمى { يزكى }؟ أي: يتطهر عن الأخلاق الرذيلة، ويتصف بالأخلاق الجميلة؟ { أو يذكر فتنفعه الذكرى } أي: يتذكر ما ينفعه، فيعمل بتلك الذكرى. وهذه فائدة كبيرة، هي المقصودة من بعثة الرسل، ووعظ الوعاظ، وتذكير المذكرين، فإقبالك على من جاء بنفسه مفتقرا لذلك منك، هو الأليق الواجب، وأما تصديك وتعرضك للغني المستغني الذي لا يسأل ولا يستفتي لعدم رغبته في الخير، مع تركك من هو أهم منه، فإنه لا ينبغي لك، فإنه ليس عليك أن لا يزكى، فلو لم يتزك، فلست بمحاسب على ما عمله من الشر. فدل هذا على القاعدة المشهورة، أنه: " لا يترك أمر معلوم لأمر موهوم، ولا مصلحة متحققة لمصلحة متوهمة " ، وأنه ينبغي الإقبال على طالب العلم، المفتقر إليه، الحريص عليه أزيد من غيره.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: عبس ١–١٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… من القرآن، وقال: يا رسول الله، علمني مما علمك الله. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبس في وجهه، وتولى وكره كلامه، وأقبل على الآخرين، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم نجواه، وأخذ ينقلب إلى أهله، أمسك الله بعض بصره، ثم خفق برأسه، ثم أنزل الله: (عبس وتولى * أن جاءه الأعمى * وما يدريك لعله يزكى * أو يذكر فتنفعه الذكرى) فلما نزل فيه ما نزل، أكرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما حاجتك؟ هل تريد من شيء؟ " وإذا ذهب من عنده قال: "هل لك حاجة في شيء؟ ". وذلك لما أنزل الله تعالى: (أما من استغنى * فأنت له تصدى * وما عليك ألا يزكى) (6) . فيه غرابة ونكارة، وقد تكلم في إسناده. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، حدثنا يونس، عن ابن شهاب قال: قال سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر:
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٣٢٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، {أما من استغنى فأنت له تصدى} [عبس: 6] قال: نزلت في العباس حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {أما من استغنى} [عبس: 5] قال: عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/١٠٧) ↗التحرير والتنوير
وجملة أو يذكر عطف على يزكى، أي ما يدريك أن يحصل أحد الأمرين وكلاهما مهم، أي تحصل الذكرى في نفسه بالإرشاد لما لم يكن يعلمه أو تذكر لما كان في غفلة عنه. والذكرى: اسم مصدر التذكير. وفي قوله تعالى: فتنفعه الذكرى اكتفاء عن أن يقول: فينفعه التزكي وتنفعه الذكرى لظهور أن كليهما نفع له. والذكرى: هو القرآن لأنه يذكر الناس بما يغفلون عنه قال تعالى: وما هو إلا ذكر للعالمين [القلم: 52] فقد كان فيما سأل عنه ابن أم مكتوم آيات من القرآن. وقرأ الجمهور: فتنفعه بالرفع عطفا على «يذكر» . وقرأه عاصم بالنصب في جواب: لعله يزكى [5، 6] أما من استغنى (5) فأنت له تصدى (6) تقدم الكلام على أما في سورة النازعات أنها بمعنى: مهما يكن شيء، فقوله: أما من استغنى تفسيره مهما يكن الذي استغنى فأنت له تصدى، أي مهما يكن شيء فالذي استغنى تتصدى له، والمقصود: أنت تحرص على التصدي له، فجعل مضمون الجواب وهو التصدي له معلقا على وجود من استغنى وملازما له ملازمة التعليق الشرطي على طريقة المبالغة. والاستغناء: عد الشخص نفسه غنيا في أمر يدل عليه السياق قول، أو فعل أو علم، فالسين والتاء للحسبان، أي حسب نفسه غنيا، وأكثر ما يستعمل الاستغناء في التكبر والاعتزاز بالقوة. فالمراد ب من استغنى هنا: من عد نفسه غنيا عن هديك بأن أعرض عن قبوله لأنه أجاب قول النبيء صلى الله عليه وسلم له: «هل ترى بما أقول بأسا، بقوله: لا والدماء ... » كناية عن أنه لا بأس به يريد ولكني غير محتاج إليه. وليس المراد ب من استغنى من استغنى بالمال إذ ليس المقام في إيثار صاحب مال على فقير.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/١٠٧) ↗