سورة عبس · الآية ٣٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: إذا جاءت صيحة القيامة، التي تصخ لهولها الأسماع، وتنزعج لها الأفئدة يومئذ، مما يرى الناس من الأهوال وشدة الحاجة لسالف الأعمال، { يفر المرء } من أعز الناس إليه، وأشفقهم لديه، { من أخيه * وأمه وأبيه * وصحبته } أي: زوجته { وبنيه } وذلك لأنه { لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه } أي: قد شغلته نفسه، واهتم لفكاكها، ولم يكن له التفات إلى غيرها، فحينئذ ينقسم الخلق إلى فريقين: سعداء وأشقياء، فأما السعداء، فوجوههم [يومئذ] { مسفرة } أي: قد ظهر فيها السرور والبهجة، من ما عرفوا من نجاتهم، وفوزهم بالنعيم، { ضاحكة مستبشرة * ووجوه } الأشقياء { يومئذ عليها غبرة * ترهقها } أي: تغشاها { قترة } فهي سوداء مظلمة مدلهمة، قد أيست من كل خير، وعرفت شقاءها وهلاكها. { أولئك } الذين بهذا الوصف { هم الكفرة الفجرة } أي: الذين كفروا بنعمة الله، وكذبوا بآيات الله، وتجرؤوا على محارمه.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: عبس ٣٣–٤٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
لا أسأله اليوم إلا نفسي، لا أسأله مريم التي ولدتني. ولهذا قال تعالى: (يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصاحبته وبنيه) (1) . قال قتادة: الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب، من هول ذلك اليوم. وقوله: (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) أي: هو في شغل شاغل عن غيره. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، حدثنا الوليد بن صالح، حدثنا ثابت أبو زيد العباداني، عن هلال بن خباب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تحشرون حفاة عراة مشاة غرلا " قال: فقالت زوجته: يا رسول الله، أو يرى (2) بعضنا عورة بعض؟ قال: " (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) أو قال: "ما أشغله عن النظر". وقد رواه النسائي منفردا به، عن أبي داود، عن عارم، عن ثابت بن يزيد-وهو أبو زيد الأحول البصري، أحد الثقات-عن هلال بن خباب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به (3) وقد رواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن محمد بن الفضل، عن ثابت بن يزيد، عن هلال ابن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تحشرون حفاة عراة غرلا". فقالت امرأة: أيبصر-أو: يرى-بعضنا عورة بعض؟ قال: "يا فلانة، (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) (4) . ثم قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن ابن عباس، رضي الله عنه (5) . وقال النسائي: أخبرني عمرو بن عثمان، حدثنا بقية، حدثنا الزبيدي، أخبرني الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يبعث الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا". فقالت عائشة: يا رسول الله، فكيف بالعورات؟ فقال: " (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) (6) . انفرد به النسائي من هذا الوجه. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أزهر بن حاتم، حدثنا الفضل بن موسى، عن عائد ابن شريح، عن أنس بن مالك قال: سألت عائشة، رضي الله عنها، رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، بأبي أنت …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ذكره: وفاكهة: ما يأكله الناس من ثمار الأشجار، والأب: ما تأكله البهائم من العشب والنبات وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/١١٩) ↗التحرير والتنوير
السنن فيما أشبه ذلك من مشكلات القرآن اه» . ولم يأت كلام «الكشاف» بأزيد من تقرير الإشكال. وقوله: متاعا لكم حال من المذكورات يعود إلى جميعها على قاعدة ورود الحال بعد مفردات متعاطفة، وهذا نوع من التنازع. وقوله: ولأنعامكم عطف قوله: لكم والمتاع: ما ينتفع به زمنا ثم ينقطع، وفيه لف ونشر مشوش، والسامع يرجع كل شيء من المذكورات إلى ما يصلح له لظهوره. وهذه الحال واقعة موقع الإدماج أدمجت الموعظة والمنة في خلال الاستدلال. [33- 42] فإذا جاءت الصاخة (33) يوم يفر المرء من أخيه (34) وأمه وأبيه (35) وصاحبته وبنيه (36) لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (37) وجوه يومئذ مسفرة (38) ضاحكة مستبشرة (39) ووجوه يومئذ عليها غبرة (40) ترهقها قترة (41) أولئك هم الكفرة الفجرة (42) الفاء للتفريع على اللوم والتوبيخ في قوله: قتل الإنسان ما أكفره [عبس: 17] وما تبعه من الاستدلال على المشركين من قوله: من أي شيء خلقه إلى قوله أنا صببنا الماء صبا [عبس: 18- 25] ، ففرع على ذلك إنذار بيوم الجزاء، مع مناسبة وقوع هذا الإنذار عقب التعريض والتصريح بالامتنان في قوله: إلى طعامه [عبس: 24] وقوله: متاعا لكم ولأنعامكم [عبس: 32] على نحو ما تقدم في قوله: فإذا جاءت الطامة الكبرى من سورة النازعات [34] . والصاخة: صيحة شديدة من صيحات الإنسان تصخ الأسماع، أي تصمها. يقال: صخ يصخ قاصرا ومتعديا، ومضارعه يصخ بضم عينه في الحالين. وقد اختلف أهل اللغة في اشتقاقها اختلافا لا جدوى له، وما ذكرناه هو خلاصة قول الخليل والراغب وهو أحسن وأجرى على قياس اسم الفاعل من الثلاثي، فالصاخة صارت في القرآن علما بالغلبة على حادثة يوم القيامة وانتهاء
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/١٣٤) ↗